الرئيسية » أخبار الثقافة والفنون
لوحات فنان "الرعب" فرانسيس بيكون

لندن ـ ماريا طبراني

برز الرسام الرمزي البريطاني من الأصل الايرلندي غير عاطفي إزاء الموت بقدر الحياة, وكمراقب سخي للحالة الإنسانية ، فمن ضمن مقولاته: "عندما أموت، ضعوني في كيس من البلاستيك وألقوا بي في مجرى مائي", ووفقا لما كتبه ستيفن سميث في صحيفة "الغارديان" البريطانية، ففي حياته، أنكر الفنان كل مراتب الشرف والألقاب التي حصل عليها، بما في ذلك لقب الفارس ووسام الاستحقاق، وزعم "أنهم عتقاء جدا", فيما رد ذات مرة على سؤال لصديقه  دانيال فارسون بشأن ما إذا كان مسرورا للحصول على مكانه في تاريخ الفن، فقال له: "هذا مجرد هراء".


هجر بيكون، الذي ولد في دبلن ومدريد، أسرته في الـ16 من عمره بعد إقامته القصيرة في مدرسة شلتنهام، ليطوف بعدها  ألمانيا وفرنسا وبريطانيا قبل أن يحط عصا الترحال في لندن نحو عام 1928، وتجلت ميوله للتصوير إبان أسفاره وزار العديد من المعارض. وفي باريس انقلبت حياته رأساً على عقب لدى مشاهدته أعمال بيكاسو والتكعيبيين، وعكست أعماله التي أنجزها في السنوات التي أعقبت هذه الزيارة مدى تأثره بالسريالية وبالتكعيبية التركيبية وفروعها, وفي بداية حياته، عمل بيكون بتشجيع من صديقه روي دو ميستر مصمماً للسجاد والأثاث المنزلي في عام 1929، فجاءت تصاميمه شبيهة بأسلوب الباوهاوس، لكنه سرعان ما هجر عمله هذا ليتفرغ للتصوير، إلا أن سنوات الحرب التي تلت ذلك وانهماكه في الدفاع عن الوطن أدت إلى ندرة إنتاجه الفني.


ولم يبدأ العمل جدياً بالرسم حتى تجاوز الثلاثين من عمره حين كرس نفسه لإنتاج مجموعة من اللوحات الدراسية لأشكال كأنها ظلال صارخة أو مكشرة عن أسنانها أو كتل لا تبرز فيها سوى عضلات الجسم. أكد معرضه الأول في لندن العام 1949 هذا الاتجاه وترسخ أسلوبه المختلف في عين الجمهور.

 وكشفت باكورة أعماله عن تأثره البالغ بالفنانين پيكاسو وليغيه ولورسا وسوڤربي، إلا أنه أتلف أعمال تلك المرحلة جميعاً، باستثناء 12  لوحة، من بينها دراسات ثلاث تدور حول صلب السيد المسيح، التي عمل بها على مدى سنوات طويلة. ومع ذلك فإن هذا الموضوع الديني، الذي سمح لبيكون تكوين لغته التشكيلية، كان قد سبق وعالجه قبل هذا التاريخ، إذ استخدمه الفنان في عام 1931 ليعود إليه مراراً وتكراراً في الأعوام 1932 - 1936 - 1962.

وتشكل كل لوحة في أعمال هذا الفنان جزءاً من سلسلة تدور حول موضوع واحد، كما أن معظم أفكار استلهمها من صور ضوئية وثائقية، ومن صور الدوريات، ومن الأفلام، ومن صور الحيوانات المتوحشة، والصور المنسوخة عن أعمال كبار الفنانين مثل ڤلاسكويز، ورامبرانت، ودومييه، الذين تزين أعمالهم جدران مرسمه مثل لوحة «البابا إنوسنت العاشر» للفنان فلاسكيز التي استحوذت عليه منذ عام 1949، أضف إلى ذلك مجموعة صور Muybridge الضوئية الخالية من الجاذبية والتي تمثل آدميين وحيوانات في حالة الحركة, ولم يطرأ أي تغيير على  مواضيع هذا الفنان منذ عام 1960، ويقول هو نفسه عن أعماله: "ليست أعمالي إلا سعياً دؤوباً لإظهار نمط من أنماط الإحساس، فالتصوير يعكس بنية جهازنا العصبي الخاص وذلك من خلال إسقاطه على القماش".

ويثير بيكون في لوحاته، نمط إحساسه المتشائم والمثير للقلق بشكل مقصود، وهذا ما نلاحظه بالفعل في المخلوقات التي حشرها في دراسته عن صَلْب السيد المسيح (1944)، أو في لوحة الباباوات الذين يظهرون بمظهر رجال خطرين ومنعزلين، وهم مع ذلك ضحية الآلام والتمزق، إذ سد عليهم الفنان باب الخلاص وسجنهم في حيز متوازي السطوح يتكون من خطوط ملونة. فسواء تعلق الأمر بسلسلة أعماله من الباباوات بوجوههم الملتوية ألماً، أو بمجموعة القضاة وهم يتحركون في خضم من اللحم المصبوغ بالدم، أو بمجموعة الدمى المشؤومة المحاصرة بطغمة شاذة وغريبة من الرجال العراة،
وحقق بيكون قفزة نوعية منذ عام 1954 حين صوّر مجموعة لوحات جديدة مثّل فيها رجال الأعمال الذين صوّرهم بملابس أنيقة قاتمة، فجاؤوا كالأشباح بوجوههم الجنينية البشعة والمرعوبة، كأنهم وقعوا في شرك متطفلين خبثاء، والألوان في هذه المجموعة أكثر صفاء ونضارة، والأشكال الرخوة أكثر استطالة واختلاجاً، حشرها الفنان في حيز داخلي حديث وبارد.

ومع حلول عام 1946 كان قد وصل بيكون بثقة بملخصه عن " الدراسات الثلاثة" وموضوعات الإستكشاف في لوحات بيكون السابقة، وبما في ذلك دراسته من بيكاسو وتفسيراته للصلب و الغضب اليونانية . لم تكن نيه بيكون الاصلية رسم مشهد صلب كبير ووضع أرقام على سفح الصليب ويعتبر عموما أول قطعة ناضجة بيكون. اعتبر أعماله قبل بالثلاثي دراسات كما لا صلة لها بالموضوع، و طوال حياته حاول قمع مظهرها في سوق الفن. عندما كان معارضها اللوحة لأول مرة في 1945 أثار ضجة كبيرة، وساعد على تأسيس له باعتباره واحدا من الرسامين بعد الحرب قبل كل شيء . ملاحظ على الأهمية الثقافية للدراسات ثلاثة.

وعرض بيكون، الذي لقبوه بـ"فنان الرعب"، واتهموه بالحذلقة تارة وبالتعذيب للآخرين والذات أو بالسادية والمازوشية تارة أخرى، أعماله بنجاح في عواصم العالم الكبرى فتأكدت شهرته و ترسخت موهبته منذ عام 1962. وكان بيكون يصر على عكس مشاهد في اللوحات صنعتها الحروب والآلة واقتصاد السوق الحرة وانهيار القيم، لزرع الرعب والقشعريرة، كما أن بيكون حالة متفردة قائمة بذاتها، يبقى حتى يومنا هذا واحداً من أهم الممثلين لاتجاه التشخيص الجديد في التصوير.

فمُشاهدة لوحات الرسام البريطاني قد تثير دفعة واحدة كل المشاعر المتناقضة التي تحتويها أعمال الفنان: ما يخفيه الوجه وما لا يعبر عنه اللسان، فليست هناك نهاية لقراءة لوحات بيكون، كلما بيعت لوحة له بالملايين في المزاد أو افتتح معرض كبير مثل هذا، يزداد التفسير ويتوارى اعتبار آخر هو النظرة المباشرة الخالية من تأثيرات إلى أعماله.

وهناك معارض متكررة لبيكون، إلا أنها لا تبلور فهم فنه كثيرا، إذ أن أسفار بيكون وحياته المتقلبة في الشذوذ غذت أعماله فصارت اللوحات إطلالة على الغضب وعدم الاستقرار من خلال صور أشخاص عرفهم، خصوصاً جورج دير الذي أوحى له رسوماً مثيرة. لكن علاقتهما انتهت تراجيدياً عندما انتحر الأخير في فندق ليلة افتتاح معرض بيكون في باريس.

وخلَّد الفنان الحادثة في مجموعة من اللوحات تصور شخصاً جالساً على المرحاض أو منكباً فوق المغسلة. هذه اللوحات الموجودة في المعرض اطلقت كبتاً وحررت الخطوط من الحرص والاحتراس وأدت الى كلاسيكية رفيعة في التصميم. كانت باريس حلم بيكون في النجاح كفنان. ومنذ الحادثة تنبهت العاصمة الفرنسية لصراخ أشكاله فتحقق فيها حلمه بالشهرة.

وانتشرت سمعة الفنان في العالم في سنواته الأخيرة، لكن مكانته الفنية ازدادت منذ وفاته عام 1992. يقارنه النقاد اليوم بماتيس في السيولة والأناقة وببيكاسو في الوحشية والتشويه. فالكتب عنه لن تنتهي وكذلك الدارسون، أما السينما فقد تكون اقرب إلى إنصافه، خصوصاً في الفيلم الجديد عنه الذي يؤدي بطولته ديريك جاكوبي، وهناك مسرحية قيد الاعداد.

في صورة الفنان الأخيرة نجد أسلوباً في لوحة ثلاثية خالياً من التكلف أو المبالغة، بسيط اللون، متنوع التكوين حسب حركة الجسم الجالس على كرسي، نلاحظ أيضاً جزءاً مفقوداً من الرأس في الصورة الأولى، بينما ينمحي جانب من الوجه في الثانية، ثم يعود الوجه شبه واضح في الأخيرة. لم يترك الرسام هنا مساحة غير مكتملة. وهكذا رحلة الفنان مع العنف الموجه الى النفس والى الخارج، بوعي وبغيره. اللوحات في المعرض توصل قسوة الحياة وآلامها: كل ما يفعله الإنسان من المهد إلى اللحد هو تخفيف ذلك الألم.

ومن أغلى القطع الفنية لبيكون، لوحة "ثلاثية لوشيان فرويد"، التي بيعت في مزاد أقامته دار "كريستي" في نيويورك مقابل 142،4 مليون دولار لتصبح أغلى عمل فني يباع في مزاد على الإطلاق.

وتصور اللوحة التي رسمت عام 1969 صديق بيكون الرسام البريطاني لوشيان فرويد جالسا على كرسي وهو يرتدي قميصا أبيض، ويقول الخبراء إن هذه اللوحة هي واحدة من لوحتين تصوران فرويد بالقامة الكاملة, وتم بيع هذه اللوحة الثلاثية في المزاد للمرة الأولى.

يُذكر أنَّ اللوحة تم تقسيمها بعد عرضها في باريس عامي 1971-1972 إلى ثلاثة أجزاء منفصلة، عرض أحدها في متحف "تايت" في لندن عام 1985، وتم عرض اللوحة الثلاثية الموحدة عام 1999 في معرض بيكون في مركز الفن البريطاني في جامعة "ييل" الأميركية.

 

View on Almaghribtoday.net

أخبار ذات صلة

نزاع بين مكتبة الإسكندرية وهيئة الدواء المصرية حول كتاب…
موعد ميلاد هلال شهر شعبان وأول أيامه فلكيًا
سرقة تاريخية تهز متحف اللوفر أكثر من 8 آلاف…
تعامد الشمس على معابد الكرنك مُعلنة بداية فصل الشتاء
متحف اللوفر يعلن إعادة فتح أبوابه جزئياً رغم استمرار…

اخر الاخبار

الاتحاد الأوروبي يعلن عن حزمة عقوبات جديدة تستهدف أفرادا…
الجيش الإسرائيلي يوصي بوقف إدخال المساعدات لغزة ويحذّر من…
الجيش الإيراني حذر من «دبلوماسية البوارج الحربية» وأعلن جاهزيته…
تقنيات صينية تعيد تنشيط صناعة الصواريخ الروسية وتوسّع قدرتها…

فن وموسيقى

نيللي كريم تعيش صراعًا نفسيًا غامضًا والملامح الأولى لأحداث…
ماغي بوغصن تكشف تطور الدراما اللبنانية وتروي صعوبات طفولتها…
المغربية دنيا بطمة تكشف كيف غيّرتها تجربة السجن وتروي…
يسرا اللوزي تكشف كواليس مثيرة عن تعامل المخرج يوسف…

أخبار النجوم

وائل جسار يوجّه رسالة لجمهوره المصري قبل حفل عيد…
ماجد المصري يكشف حقيقة وجود ألفاظ مسيئة في مسلسل…
مصطفي شعبان يعود إلى الدراما الشعبية بعد الصعيدية في…
محمد رمضان يثير الجدل حول مشاركته في دراما رمضان…

رياضة

صلاح يعادل رقم كاراجر القياسي في دوري أبطال أوروبا
عثمان ديمبلي على رادار الدوري السعودي بعد كأس العالم
رئيس الفيفا السابق يدعو لمقاطعة مونديال 2026
النادي الأهلي في مأزق قانوني ومالي بسبب أزمة المغربي…

صحة وتغذية

إرتفاع ضغط الدم المرتفع قد يكشف اضطرابات الغدد الصماء…
التدخين قبل سن العشرين يزيد خطر الإصابة بالسكتة الدماغية
تناول الشوفان لمدة يومين يساعد على خفض مستوى الكوليسترول…
كيف تساهم الألياف الغذائية في حماية الدماغ والحد من…

الأخبار الأكثر قراءة

متحف اللوفر يعلن إعادة فتح أبوابه جزئياً رغم استمرار…
إغلاق متحف اللوفر في باريس بسبب إضراب الموظفين
وزير الأوقاف المغربي يبرز بواعث الحاجة إلى المذهب المالكي…
تقرير فرنسي يكشف إخفاقات أمنية كبرى في متحف اللوفر…
قائمة طعام سرية ترافق مأدبة حفل جائزة نوبل