قصة مدفع الحاجة فاطمة من ميادين الحروب إلى طقس رمضاني راسخ في الوجدان
آخر تحديث GMT 05:39:43
المغرب اليوم -

قصة مدفع الحاجة فاطمة من ميادين الحروب إلى طقس رمضاني راسخ في الوجدان

المغرب اليوم -

المغرب اليوم - قصة مدفع الحاجة فاطمة من ميادين الحروب إلى طقس رمضاني راسخ في الوجدان

مدفع رمضان بقلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة (الصورة من وزارة السياحة والآثار المصرية)
القاهرة - المغرب اليوم

يحضر شهر رمضان في ذاكرة المصريين، كما في وجدان شعوب عربية وإسلامية كثيرة، محمّلاً بأصوات وروائح وطقوس شكّلت عبر عقود طويلة ملامح هذا الشهر، وفي مقدمتها دويّ مدفع الإفطار الذي لم يكن مجرد إشارة زمنية تعلن انقضاء ساعات الصوم، بل لحظة جماعية تختلط فيها رهبة الانتظار بفرحة الإفطار. ومع تطور وسائل قياس الوقت، ظل صوت المدفع محتفظاً بمكانته الرمزية، بوصفه جزءاً من هوية الشهر وذاكرته الشعبية.
قبل ظهور المدفع، اعتمد المسلمون على الأذان بوصفه الوسيلة الشرعية الأساسية للإعلان عن دخول وقت الصلاة والإفطار والسحور. وتشير المصادر التراثية إلى تنظيم دقيق لمواقيت الصيام منذ العهد النبوي، إذ كان بلال بن رباح يؤذن لتنبيه الناس، فيما كان عبد الله بن أم مكتوم يؤذن عند الفجر. ومع اتساع المدن الإسلامية في العصور اللاحقة، ظهرت وسائل مساعدة إلى جانب الأذان، مثل قرع الطبول في القلاع والساحات، واستخدام “النقّارات”، وإيقاد المشاعل فوق المآذن، فضلاً عن دور المسحراتي الذي عُرف في مصر منذ العصر الفاطمي، وكان يجوب الأزقة قبل الفجر لإيقاظ الناس للسحور.
ومع تزايد الكثافة السكانية في المدن الكبرى، برزت الحاجة إلى وسيلة أشد وقعاً وأبعد مدى، فظهر تقليد إطلاق مدفع الإفطار في مصر، الذي عُرف باسم “مدفع الحاجة فاطمة”. وتعددت الروايات بشأن بدايته؛ فإحداها تعيده إلى عهد السلطان المملوكي خوشقدم في القرن الخامس عشر، عندما صادف إطلاق مدفع تجريبي وقت غروب أول أيام رمضان، فظن الناس أنه تقليد مقصود، وطالبوا باستمراره، وقيل إن زوجته التي عُرفت بالحاجة فاطمة نقلت رغبتهم إليه فاستجاب.
رواية أخرى تنسب البداية إلى عهد محمد علي باشا في أوائل القرن التاسع عشر، عندما أُطلق مدفع للتجربة وقت الغروب فاستحسن الناس الفكرة، فيما تشير رواية ثالثة إلى عهد الخديوي إسماعيل، حيث قيل إن الأميرة فاطمة إسماعيل أمرت باستمرار إطلاق المدفع بعد أن صادف إطلاقه وقت الإفطار. وأياً تكن الرواية الأصح، فإن المؤكد أن التقليد انطلق من مصر وانتشر إلى بلاد الشام، ثم إلى إسطنبول ودول البلقان، ولاحقاً إلى بغداد والكويت، كما تبنته المملكة العربية السعودية بعد دخول مكة والمدينة تحت حكمها في عشرينيات القرن العشرين، وانتقل إلى الإمارات وبلدان أخرى في آسيا وأفريقيا.
ومع تأسيس الإذاعة المصرية عام 1934، ثم انطلاق التلفزيون عام 1960، لم يعد صوت المدفع مقتصراً على محيط القلعة، بل صار يُبث إلى ملايين البيوت، ما رسّخ حضوره في المشهد الرمضاني اليومي. وتوقف إطلاقه خلال فترات الحرب مع إسرائيل، مع الاكتفاء ببث تسجيل صوتي، قبل أن يُعاد إحياؤه عام 1983، واستمر إطلاقه من قلعة صلاح الدين حتى تسعينيات القرن العشرين، حين نُقل إلى جبل المقطم حفاظاً على المباني الأثرية المحيطة.
وتتنوع أنواع المدافع المستخدمة في هذا التقليد بين مدافع ميدانية قديمة وأخرى حديثة تُطلق طلقات صوتية احتفالية. ففي القاهرة استُخدمت مدافع ألمانية الصنع من طراز كروب عيار 75 ملم، بينما تستخدم بعض الدول مدافع بريطانية أو فولاذية حديثة للغرض نفسه. وفي القدس، تولت عائلة صندوقة مهمة إطلاق المدفع لعقود طويلة، فيما يُطلق في سراييفو من قلعة جوتا تابيا، وفي بعض مدن الهند من قلاع تاريخية تعود إلى عهود سابقة.
ومع دخول العصر الرقمي، وفرت التطبيقات الذكية والساعات الإلكترونية مواقيت دقيقة بحسب الموقع الجغرافي، وأصبحت ترسل إشعارات قبل الأذان، فيما تعرض لوحات إلكترونية في بعض المدن عدّاً تنازلياً لموعد الإفطار. ومع ذلك، تبقى للمدفع رمزيته الخاصة، إذ لم يعد دوره محصوراً في معرفة الوقت، بل في استدعاء ذاكرة جماعية تعيد الكبار إلى طفولتهم، وتمنح الصغار تجربة حسية لا توفرها الشاشات.
وهكذا، من الأذان في صدر الإسلام إلى دويّ المدفع في سماء القاهرة، وصولاً إلى تنبيه صامت على هاتف ذكي، تتغير الوسائل ويبقى المعنى واحداً: لحظة انتظار يتقاسمها الملايين، تعلنها القلوب قبل الساعات، ويظل فيها مدفع الحاجة فاطمة رمزاً لفرحة رمضانية تتجدد كل عام.

قد يهمك أيضــــــــــــــا

قيادة السعودية تهنئ ملك المغرب بحلول شهر رمضان

تباين رؤية هلال رمضان بين الحسابات الفلكية واختلاف المطالع في الدول العربية وأوروبا

almaghribtoday
almaghribtoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قصة مدفع الحاجة فاطمة من ميادين الحروب إلى طقس رمضاني راسخ في الوجدان قصة مدفع الحاجة فاطمة من ميادين الحروب إلى طقس رمضاني راسخ في الوجدان



يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين

GMT 12:27 2014 السبت ,12 تموز / يوليو

الفنانة العراقية سحر طه تغني بغداد

GMT 05:30 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

عرض استثنائي لـ"فيتون" لوداع المدير الفني الخاص بها

GMT 09:24 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

أجمل بروشات الفاخرة التي تناسب موسم الأعياد

GMT 08:11 2012 الجمعة ,22 حزيران / يونيو

برنت يتراجع عن مستوى 104 دولارات للبرميل

GMT 23:04 2016 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

التصريف اللمفاوي مفيد لمشاكل الجهاز اللمفاوي

GMT 14:15 2016 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

فوائد الشطة لعلاج مرض الصدفية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib