في خطوة تجسد الطموح السيادي للمملكة المغربية في ريادة الصناعات عالية التكنولوجيا، ترأس الملك محمد السادس، أمس الجمعة، حفل إطلاق مشروع صناعي ضخم لمجموعة “سافران” (Safran) بمنطقة النواصر. هذا المشروع، المخصص لإنتاج أنظمة هبوط الطائرات، لا يعد مجرد توسع استثماري عابر؛ بل هو إعلان رسمي عن انتقال المغرب من مرحلة “تركيب الأجزاء” إلى مرحلة “التصنيع والتحكم التكنولوجي الكامل”.
تأتي هذه الدينامية لتكرس مكانة منصة “النواصر” كقطب عالمي ينافس الكبار، مستندة إلى رؤية اقتصادية تهدف إلى مضاعفة الناتج الداخلي الخام بحلول عام 2035. ومع استثمار يتجاوز المليارات، يضع المغرب قدمه بثبات في سلاسل القيمة العالمية، مستفيدا من مؤهلاته في الطاقة الخضراء وكفاءاته البشرية الشابة، ليصيغ قصة نجاح ثالثة تنضاف إلى قطاعي السيارات والسياحة، تحت شعار الاستدامة والابتكار الرقمي.
قال محمد جدري، الخبير الاقتصادي، إن المملكة المغربية تتوفر، اليوم، على رؤية اقتصادية واضحة المعالم، تتمثل في أفق 2035، والتي تسعى من خلالها إلى تنزيل النموذج التنموي الجديد، بهدف الانتقال من ناتج داخلي خام في حدود 130 مليار دولار سنة 2021 إلى أكثر من 260 مليار دولار سنة 2035.
وأوضح جدري، أن بلوغ هذه الأهداف يقتضي بناء صناعة حقيقية وقادرة على خلق قيمة مضافة مرتفعة، مشيرا إلى أن المملكة راكمت خلال الخمسة عشر عاما الماضية تجارب مهمة في تحديث بنيتها التحتية واللوجستية وجذب كبار المستثمرين الأجانب وتأهيل الرأسمال البشري.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن المغرب يسعى إلى نقل قصة نجاح صناعة السيارات إلى قطاع الطيران، موضحا أنه انتقل في هذا القطاع من مرحلة تصنيع أجزاء الطائرات إلى مرحلة تركيبها؛ وهو اليوم يدخل مرحلة ثالثة تتمثل في صناعة الطائرات بشراكة استراتيجية مع مجموعة “سافران”.
كما أكد محمد جدري أن قطاع الطيران بالمملكة حقق رقم معاملات مهما تجاوز 30 مليار درهم مع نهاية سنة 2025، مشيرا إلى أن المرحلة المقبلة تهدف إلى رفع نسبة الاندماج المحلي والانتقال بعدد مناصب الشغل من 25 ألف شاب وشابة إلى أكثر من 50 ألفا خلال السنوات المقبلة.
وأضاف المصرح عينه أن الاستثمار الجديد، الذي يفوق ثلاثة مليارات درهم، يحمل أبعادا استراتيجية تقوم على منطق “رابح-رابح” بين المغرب ومجموعة “سافران”، لافتا إلى أن رئيس المجموعة أكد أن الإنتاج يتم مع المملكة المغربية وليس فقط داخلها، بما يعني انتقال الخبرات والكفاءات من هذا العملاق الأوروبي إلى الكفاءات المغربية؛ وهو ما من شأنه تعزيز القيمة المضافة الوطنية.
وبعد أن أشار الخبير الاقتصادي إلى أن هذا المشروع يندرج ضمن التحولات العالمية المرتبطة بتقليص البصمة الكربونية، أوضح أن الاستثمارات الكبرى التي قامت بها المملكة في الطاقات المتجددة، خصوصا الطاقة الشمسية والريحية، تمنحها ميزة تنافسية مهمة، فضلا عن قربها الجغرافي من الاتحاد الأوروبي والمصانع التابعة للشركات الشريكة بفرنسا.
واعتبر جدري أن كل هذه العوامل مجتمعة تجعل المغرب مؤهلا ليصبح رائدا خلال السنوات المقبلة في صناعة حقيقية لقطاع الطيران، إلى جانب قصتي نجاح صناعة السيارات والسياحة، لتُضاف إليهما قصة نجاح ثالثة في صناعة الطيران.
اعتبر يوسف كراوي الفيلالي، الخبير الاقتصادي ورئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، أن المشروع الذي ترأس الملك محمد السادس حفل إطلاقه يحمل دلالات وأبعادا استراتيجية واضحة، ومن المنتظر أن تكون له آثار اقتصادية مهمة.
وأوضح كراوي الفيلالي أن منطقة النواصر أصبحت، اليوم، قطبا إقليميا وعالميا في مجال الطيران، سواء على مستوى التصنيع أو صيانة أجزاء الطائرات.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن هذا المشروع، الذي يناهز حجمه الاستثماري 2.5 مليارات درهم، يندرج ضمن منظومة متكاملة تضم حوالي 150 شركة عالمية ومحلية، ويشغل القطاع أزيد من 140 ألف شخص، مع رقم معاملات يناهز 27 مليار درهم.
وأضاف المتحدث عينه أن هذه المنصة الصناعية المتقدمة ستعتمد على أنظمة معلوماتية معقدة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي؛ وهي عناصر أساسية في صناعة الطيران، خاصة في ما يتعلق بالأجزاء والأجهزة التي يتم التحكم فيها عن بعد.
وأكد أن ذلك سيمكن المغرب من تعزيز جاذبيته وتقوية تنافسيته، وتطوير قدراته التقنية، من خلال التمكن من التكنولوجيا وتكوين مهندسين ذوي كفاءات عالية، بما يسمح بالانتقال من مجرد التركيب والتصدير إلى التحكم في التصنيع ذي القيمة المضافة المرتفعة.
وختم كراوي الفيلالي بالتأكيد على أن هذا التوجه يندرج ضمن تصور شمولي لتنويع القاعدة الصناعية الوطنية، وعدم الاقتصار على صناعة السيارات، عبر تطوير قطاع الطيران وفروعه؛ بما يساهم في تقليص المخاطر وتعزيز موقع المغرب ضمن الصناعات التكنولوجية المتقدمة على الصعيد العالمي.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
الملك محمد السادس يترأس اجتماع عمل حول الميناء الجديد الناظور غرب المتوسط
مكتب الصرف بالمغرب يٌعلن إرتفاع صادرات قطاع الطيران بنسبة 16,5 في المائة عند متم يونيو 2024
أرسل تعليقك
تعليقك كزائر