يشكّل تنظيم نهائيات كأس إفريقيا للأمم في المغرب أرضية مهمة لقراءة قدرة المملكة على احتضان التظاهرات الرياضية الكبرى، كما يفتح هذا الحدث القاري الكبير نقاشا واسعا حول ما يمكن أن يقدّمه النجاح التنظيمي من دعم لمسار التحضير لنهائيات “مونديال 2030”.
ويبرز الحدث الإفريقي قيمة التراكم الذي تحقّق في مجال تدبير الملاعب والبنيات اللوجستيكية وإدارة الحشود، إضافة إلى الدينامية الاقتصادية والسياحية التي تعزز موقع المغرب داخل محيطه الإفريقي والدولي، ما يجعل المتابعة الإعلامية للبطولة مناسبة لفهم أبعاد هذا الرهان المستقبلي.
مصطفى القرفي، إطار وطني ذو تجارب دولية في تدريب فرق كرة القدم، أكّد أن “التنظيم المحكم لبطولة كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب سيكون له أثر إيجابي على تنظيم كأس العالم 2030، موضحا أن “التظاهرة الإفريقية الحالية تُعتبر استثنائية لأنها تُنظَّم في المغرب للمرة الثانية في تاريخه بعد نسخة سنة 1988، وقد أظهر المغرب حتى الآن مستوى عاليا من الكفاءة في تدبير هذا المحفل القاري”.
وقال القرفي في تصريح له إن “الافتتاح تجلّى في صورة مبهرة بملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، الذي أصبح أيقونة رياضية مغربية، كما برهنت الملاعب الحديثة على قدرتها على مقاومة الأمطار الغزيرة التي عرفتها البلاد، مع اعتماد إجراءات أمنية مشددة وبروتوكولات احترافية لاستقبال الجماهير”، مشيرا إلى أن “منافسات البطولة تجري في ست مدن هي الرباط والدار البيضاء وطنجة وفاس ومراكش وأكادير، وقد حظي المغرب بإشادة دولية واسعة بفضل جودة بنيته التحتية ومستوى التنظيم”.
وعن “الأثر الإيجابي على التحضير لنهائيات كأس العالم 2030، التي سينظمها المغرب بشراكة مع البرتغال وإسبانيا”، قال مصطفى القرفي إن “التظاهرة الإفريقية تعتبر ‘بروفة’ حقيقية واختبارا عمليا لمدى جاهزية المغرب في مجالات تدبير الملاعب والنقل والسياحة وإدارة الحشود، وقد أبانت التجربة الحالية أن السياسات المعتمدة حاليا تسير في اتجاه توسيع الطاقة الاستيعابية للملاعب الكبرى وتطوير العرض السياحي وفق معايير الفيفا”.
وفي هذا السياق، ذكّر الإطار الوطني ذاته بأنه “تمت برمجة مرحلة ثانية من تطوير البنية التحتية تشمل توسيع ملعب أدرار بأكادير إلى حوالي 46 ألف مقعد مع سقف بانورامي، كما يجري بناء ملعب الحسن الثاني بمنطقة بن سليمان بطاقة تصل إلى 115 ألف متفرج ليكون جاهزا ما بين 2027 و2030”.
وبخصوص المكاسب الاقتصادية والسياحية، قال القرفي إن “التوقعات تشير إلى عائدات قد تصل إلى حوالي 12 مليار درهم مع زيادة مهمة في عدد الزوار؛ إذ يستهدف المغرب بلوغ 19,8 مليون سائح في سنة 2025، ثم الارتقاء إلى أرقام أعلى بحلول 2030، وهو ما يتطلب تعبئة استثمارات عامة وخاصة وخلق شراكات إقليمية تُسهم في نهضة تنموية شاملة”.
وعلى المستوى الرياضي المتعلق بالمنتخب المغربي في هذه البطولة، نبّه الإطار الوطني إلى أن “المنتخب تأهل إلى دور ربع النهائي بأداء قوي بعد تصدر مجموعته وتحقيق فوز على تنزانيا وبلوغ دور 16، مع بروز أكبر للنجوم أمثال أشرف حكيمي وإبراهيم دياز وأيوب الكعبي ولاعبين آخرين، وقد أكدت هذه النتائج أن المغرب يمتلك جيلا واعدا قادرا على التطور خلال السنوات الأربع المقبلة ما بين 2026 و2030”.
وقال: “الإنجازات التي تحققت منذ 2022، حين بلغ المغرب نصف نهائي كأس العالم بقطر كأول منتخب إفريقي وعربي يصل إلى هذا الدور، ثم برونزية أولمبياد باريس 2024، تُشكّل قاعدة صلبة للاستعداد لمونديال 2030، وقد أسهمت أكاديمية محمد السادس ومركز محمد السادس لكرة القدم في إعداد لاعبين يمارسون في أكبر الدوريات، إضافة إلى دعم الجماهير المغربية المعروفة بحماسها الكبير”.
وختم الإطار الوطني توضيحاته بالإشارة إلى أنه “رغم التحديات المرتبطة بحجم الإنفاق، فإن نجاح تنظيم كأس أمم إفريقيا 2025 بالمغرب يرفع منسوب الثقة الدولية في قدرة المملكة على احتضان كأس العالم 2030، ويمنح فرصة حقيقية للمنتخب المغربي للمنافسة على اللقب العالمي أمام جماهيره، ومع هذا النجاح التنظيمي والرياضي المتكامل يتأكد أن المغرب ماضٍ بثبات لتحقيق إنجاز تاريخي في سنة 2030”.
رشيد لوستيك، إطار وطني مدرب سابق للمنتخب الصومالي لكرة القدم، قال إن “تنظيم كأس إفريقيا للأمم بالمغرب يحمل آثارا إيجابية واسعة من مختلف النواحي التنظيمية واللوجستيكية والسياحية والرياضية بصفة عامة، وهذه التظاهرة شكّلت محطة مهمة أظهرت قدرة المملكة على تدبير الأحداث الكبرى وفق معايير دولية دقيقة، سواء من حيث جودة التخطيط أو فعالية البنيات المخصّصة لاستقبال الضيوف والجماهير”
وأضاف لوستيك، في تصريح صحفي ، أن “هذا الحدث يُعد من الناحية التنظيمية تمرينا فعليا يهيئ المغرب لتنظيم كأس العالم 2030 إلى جانب البرتغال وإسبانيا؛ إذ تم توفير بنية تحتية بمواصفات عالمية شملت تسعة ملاعب حديثة موزعة على ست مدن مضيفة، مع تخصيص فضاءات للتداريب وأخرى لإجراء المباريات لكل منتخب، إضافة إلى اعتماد نظام محكم لتدبير النقل والإقامة والخدمات الموازية، وهي المواصفات ذاتها المطلوبة في تظاهرات من حجم المونديال”.
وأوضح أن “البطولة عرفت على المستوى الإعلامي والسياحي حضورا عالميا لافتا من خلال تغطيات تلفزية وصحافية واسعة، إلى جانب توافد عدد كبير من الزوار يفوق ما سُجّل في الدورة السابقة بكوت ديفوار، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على تنشيط الاقتصاد المحلي، وتوفير فرص شغل جديدة، وبروز طاقات شابة متخصصة في مجالات تنظيم التظاهرات والإخراج التلفزي، مع الاستفادة من خبرات أوروبية رائدة”.
وأشار الإطار الرياضي ذاته إلى أن “الإخراج التلفزي المغربي استفاد من الخبرة التي راكمها المخرج الذي أشرف على إخراج مونديال قطر 2022، مما أسهم في تكوين كفاءات مغربية قادرة على مواكبة المعايير العالمية، وأطر شابة أصبحت مهيأة لتقود تنظيم كأس العالم 2030، وهو مكسب مهني وتقني يعزّز الرصيد الوطني في هذا المجال”.
وأبرز رشيد لوستيك كذلك أن “الحدث أتاح فضاءات مهمة لتسويق التراث والمنتوج السياحي المغربي، حيث لجأت الجماهير إلى منصات ومعارض خُصّصت لعرض منتجات الصناعة التقليدية والتعريف بمختلف مكوّنات الهوية المغربية، كما تم تخصيص أماكن للتعريف بالسياحة وقيام الزوار برحلات منظمة لاكتشاف المدن وقضاء أيام الراحة في فضاءات ترفيهية وسياحية، وهو ما أسهم في تعزيز الإقبال على الخدمات الموازية”.
وتابع المتحدث بأن “الفترات الفاصلة بين الأدوار التنافسية استُثمرت لتمكين الجمهور من زيارة المآثر التاريخية والتعرّف على التنوّع الثقافي المغربي العربي الأمازيغي الإفريقي، إلى جانب تنشيط المدن المضيفة التي وفّرت خدمات سياحية واقتصادية موازية، وهو ما عزّز الإقبال والحجوزات داخل القطاعات المرتبطة بالضيافة والسفر”.
ومن زاوية تقنية خالصة، اعتبر رشيد لوستيك أن “الفرق الإفريقية أصبحت تعتمد أساليب متنوعة لتسجيل الأهداف، خاصة التسجيل عن طريق الضربات الثابتة أو التي تأتي بناء على تبادل كروي بين لاعبين أو ثلاثة لاعبين، إضافة إلى تغيير أسلوب اللعب أثناء المقابلة، مما يمنح مرونة تكتيكية أكبر، كما يبرز الاعتماد على اللعب بتطبيق الضغط المتقدم (البريسينغ والكونطربريسينغ)، وهذه العناصر تندرج ضمن مستجدات كرة القدم الحديثة”.
وختم رشيد لوستيك توضيحاته بالإشارة إلى أن “الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تجلّت في تسهيل ولوج الجماهير إلى الملاعب عبر أنظمة إلكترونية تحدد مسارات المرور والمحطات وصولا إلى المقاعد بدقة، إلى جانب تأهيل المتطوعين الذين تلقوا تكوينا مسبقا وانتشروا في فضاءات الإرشاد والتوجيه، مع توفير متاجر تجارية وسياحية قرب كل ملعب، وهو ما يعزز الصورة العامة الإيجابية لهذا التنظيم ويخدم كرة القدم المغربية على وجه الخصوص”، معبّرا عن “الأمل في أن تُستثمر هذه المكتسبات لتعميق إشعاع المغرب داخل محيطه الإفريقي والدولي”.
قد يهمك أيضــــــــــــــا
الإعلام البرازيلي يشيد بالكرة المغربية ويتوقع نجاح مونديال 2030
إبراهيم دياز يصنع التاريخ مع المغرب في كأس أمم إفريقيا برقم غير مسبوق
أرسل تعليقك
تعليقك كزائر