إيكاون مبدعو الصحراء الذين حفظوا إرث البيظان الثقافي
آخر تحديث GMT 09:08:35
المغرب اليوم -

"إيكاون" مبدعو الصحراء الذين حفظوا إرث "البيظان" الثقافي

المغرب اليوم -

المغرب اليوم -

مبدعو الصحراء
الرباط -المغرب اليوم

تحمل الموسيقى الحسانية بين أنغامها ومقاماتها الكثير من الأصول، فالتداخل الذي حصل بين الروافد الأندلسية والعربية والإفريقية والأمازيغية، جعل موسيقى "البيظان" لا تظل ساحرة وحسب، بل أصبحت متحفا حيا يحكي الكثير عن الثقافات التي تساكنت تحت خيام البدو تارة، وبين آلات عازفي "إيكاون" تارة أخرى.تحتفي الموسيقى الحسانية على الدوام بتداخل المؤثرات الإفريقية والعربية والأمازيغية في صوغها على النحو الذي هي عليه، فالعنصر الإفريقي يسكن الإيقاع، والنظام الصوتي يكاد يكون أمازيغيا، فيما تظهر اللمسات العربية في الكلام وشاعرية الأوصاف، بينما تزيد المواويل والمدود نفحات الموسيقى الأندلسية وتأثيراتها جمالا وبهاء. خليط من المواد الثقافية العريقة لا ينجح في المزج بين مكوناته سوى العازف الذي يسمى "إيكيو".

في مدينة العيون كغيرها من مدن الصحراء المغربية، ما يزال الناس متشبثين بالموسيقى الحسانية التقليدية، فلا تكاد مناسبة اجتماعية تمرُّ إلا وانطوت على كمٍّ من الآلات والأصوات الصادحة، النغم هنا يلاقي الناسَ على بساطه، لكن الحكايات الحائمة حول كؤوس الشاي الصحراوي تقول أشياء أخرى كثيرة، لا يزيدها بهاء سوى شذو فرق "إيكاون"، مستعملين عددا من الآلات الموسيقية مثل آلة "التدنيت" وهي عبارة عن طبل مصنوع من الخشب وجلد الغنم، وكذلك من عود مصنوع من أخشاب شجرة تدعى "التيدوم"، وتحمل الآلة على طرفها عددا من الأعصاب "الأوتار".

أما النسوة فيتخصصن في العزف على آلة "الآردين"، والتي تتكون هي الأخرى من طبل مصنوع من مادة خشبية ملفوف بجلد مدبوغ وعود متوسط السُمك من خشب "التيدوم"، إضافة إلى الأوتار. وكل ذلك بالإضافة إلى الطبل والنيفارة (المزمار) والربابة الحسانية. وهكذا فإن وصلة غنائية واحدة قد تنطق بلسان كل ما في الصحراء من أحياء وجمادات دفعة واحدة.لا تطرب أذن السامع الحساني في المناسبات والأعراس إلا للأغاني والرقصات التي يؤديها فنانو "إيكاون"، وهؤلاء ينتمون إلى شريحة اجتماعية صحراوية عريقة، وضعتها التراتبية الاجتماعية الصحراوية في أدنى سلالمها، بعد "لْمعلمين"(الصناع)، وهم الذين يصنعون أيضا الآلات الموسيقية، وهؤلاء بدورهم يأتون بعد العبيد المسبوقين بدورهم بالأشراف والزوايا. وأعطت هذه التراتبية الحق لطبقة "إيكاون" في احتراف الغناء والعزف والرقص، ومنعته تماما على الأشراف، الذين يبادرون، وبالمقابل، إلى الاعتناء بصناعة الشعر والتنافس من أجل قوله على السجية.

ويشير بعض الدارسين إلى أن سبب الموقف الموروث من "إيكاون" داخل المجتمع الحساني، إنما يرتبط بمنظور "البيظان" الأخلاقي، فالناس هنا يرفضون رفضا قاطعا الغيبة والنميمة، وينظرون بازدراء إلى من يُقبل على هاتين الخصلتين، ولهذا فإن تصنيف "إيكاون" في آخر التراتبية الاجتماعية مرده إلى أن هذه الفئة كانت في الماضي تقوم بما هو أقرب إلى التكسب، بما يعنيه ذلك من مدح العطاء وذم من لم يتمكن من إجزاله.غير أن تلك النظرة إلى "إيكاون" اليوم قد تراجعت، فالأفراد المنتمون إلى هذه الشريحة لم يعودوا يأبهون لذلك، لأن أبناء المجتمع الحساني اليوم أكثر ميلا إلى الاحتفاء بموروثهم الشفهي، لأنه برغم كل شيء، فإن الحسانيين كانوا يعتبرون موسيقيي "إيكاون" أيضا جزءا من المجتمع الحساني، وكانوا بالنسبة إليهم جالبا للفرح في السِّلم، ومحركا للهمم في الحرب.

الموسيقى الحسانية نحو التجديد والتطوير

يعتز ممارسو الموسيقى الحسانية ومبدعوها اليوم بشغفهم ذاك، فـ"إيكيو" أصبحوا اليوم نجوما تستضيفهم المحطات التلفزيونية ويحترمهم الناس ويحبونهم سواء أكانوا من أبناء عمومتهم من الحسانيين، أو من ثقافات ومجتمعات أخرى داخل المغرب وخارجه، لاسيما أن تجارب تجديد الموسيقى الحسانية قد بات لها مكانها، وباتت تحظى باحترام وتقدير الجمهور.قبل سنوات قليلة، ودّع سكان مدن الصحراء المغربية واحدا من الفنانين الذين طوروا الموسيقى الحسانية، وهو الفنان الناجم محمد عمر، ففي مدينة العيون المغربية، ومن ساحاتها ومسارحها ومهرجاناتها، صدحت حنجرته بأعذب الألحان المبتكرة، وبالرغم من أنه لم يحافظ على شكل كطربي "إيكاون" التقليديين، واستعمل الآلات الموسيقية المعاصرة ضمن فريقه الموسيقي، إلا أنه جمع جما غفيرا من العشاق والمحبين، وجعل الأغنية الحسانية تكتسب صيتا عالميا.

وتقول الفنانة فضيلة الناجم محمد عمر، عن تجربتها الموسيقية مع ابني أختها "آدم بنلمقدم ومحمد بنلمقدم"، الصغيرين اللذان تألقا مؤخرا في برنامج مواهب الأطفال "ذا فويس كيدز"، إنها تسير بهما على "خطى جدِّهما ووالدها الناجم محمد عمر"، مؤكدة أن المهم في الأمر هو أن "الموسيقى الحسانية العصرية تغري الشباب بالاستماع إليها، في حين ما يزال للنمط القديم أيضا عشاقه، بينما يحلق النموذج الذي طوره الراحل الناجم محمد عمر في كل الأرجاء".

وتضيف فضيلة مؤكدة أن "النظرة التي تحط من شأن الفنانين قد صارت شيئا من الماضي، فكل أبناء العيون مثلا ينظرون إلينا اليوم بفخر واحترام، لأننا أعطينا صورة مشرفة عن العيون وعن بلادنا المغرب"، في إشارة إلى إرث الموسيقى الحسانية الذي تتعايش بين نغماته كل التأثيرات الحضارية الإفريقية والأمازيغية والعربية، كما يستقبل بكل رحابة صدر أهل الصحراء المغربية تجارب الموسيقى العالمية.

قد يهمك ايضا

عبد الله أوزيتان يؤكد أن اليهود والمسلمين تركوا إرثا رائعا للأجيال المستقبلية

"شتاء طنطورة" رسالة من شباب العلا لتوصيل إرثهم الحضاري إلى العالم بكل اللغات

 

almaghribtoday
almaghribtoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيكاون مبدعو الصحراء الذين حفظوا إرث البيظان الثقافي إيكاون مبدعو الصحراء الذين حفظوا إرث البيظان الثقافي



GMT 09:44 2025 الأحد ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مصر تستعد للإعلان عن اكتشاف أثري كبير داخل هرم خوفو

GMT 19:26 2025 الأحد ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

جناح توت عنخ آمون يسطع في افتتاح المتحف المصري الكبير

الرقة والأناقة ترافق العروس آروى جودة في يومها الكبير

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 08:46 2025 الأحد ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

فستان الكاب لإطلالة تمنح حضوراً آسراً في السهرات
المغرب اليوم - فستان الكاب لإطلالة تمنح حضوراً آسراً في السهرات

GMT 09:00 2025 الأحد ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة إلى عالم الألوان اكتشف روعة الشفق القطبي في النرويج
المغرب اليوم - رحلة إلى عالم الألوان اكتشف روعة الشفق القطبي في النرويج

GMT 22:00 2025 السبت ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

مولدوفا تعلن اختراق مجالها الجوي بمسيرتين روسيتين
المغرب اليوم - مولدوفا تعلن اختراق مجالها الجوي بمسيرتين روسيتين

GMT 16:50 2025 السبت ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

دراسة جديدة توضح علاقة الشعر الأحمر ببطء التئام الجروح
المغرب اليوم - دراسة جديدة توضح علاقة الشعر الأحمر ببطء التئام الجروح

GMT 17:10 2025 السبت ,29 تشرين الثاني / نوفمبر

سعد لمجرد يعود للقضاء في قضية اغتصاب جديدة
المغرب اليوم - سعد لمجرد يعود للقضاء في قضية اغتصاب جديدة

GMT 22:48 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

اكتشفي أفضل العلاجات الطبيعية للشعر الدهني

GMT 12:51 2017 الأربعاء ,09 آب / أغسطس

توقعات أحوال الطقس في كلميم الأربعاء

GMT 21:10 2016 الجمعة ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

طبعة جديدة من "الإسلام بين الشرق والغرب" في دار الشروق

GMT 17:52 2023 الخميس ,26 كانون الثاني / يناير

تعرف على موعد أول يوم من شهر رمضان المبارك لهذا العام

GMT 14:40 2021 الأربعاء ,07 تموز / يوليو

راموس يجتاز الفحص الطبي في باريس سان جيرمان
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib