عام الغلاء بتوات السنة التي صاحت فيها عصافير البطون
قتيلتان فلسطينيتان برصاص الجيش الإسرائيلي وقصف مدفعي وجوي على غزة هزة أرضية بقوة 3.9 درجات تضرب مدينة اللاذقية على الساحل السوري دون تسجيل أضرار محكمة الاستئناف في تونس تؤيد سجن النائبة عبير موسي رئيسة الحزب الحر الدستوري عامين وفاة تاتيانا شلوسبرغ حفيدة الرئيس الأميركي جون إف كينيدي عن عمر 35 عامًا بعد معاناة مع سرطان الدم إرتفاع عدد الشهداء الصحفيين الفلسطينيين إلى 275 منذ بدء العدوان على قطاع غزة إسبانيا تمنح شركة إيرباص إستثناءً لاستخدام التكنولوجيا الإسرائيلية رغم حظر السلاح بسبب حرب غزة الجيش الصومالي يقضي على أوكار حركة الشباب في شبيلي السفلى ويستعيد مواقع إستراتيجية إحتجاجات حاشدة في الصومال رفضاً لاعتراف إسرائيل بصومالي لاند وتصعيد دبلوماسي في مجلس الأمن البرلمان الإيطالي يقر موازنة 2026 ويمنح الضوء الأخضر النهائي لخطة خفض العجز هزة أرضية بلغت قوتها 4.2 درجة على مقياس ريختر تقع عرض البحر الأبيض المتوسط قبالة السواحل السورية
أخر الأخبار

عام الغلاء بتوات.. السنة التي صاحت فيها عصافير البطون

المغرب اليوم -

عام الغلاء بتوات السنة التي صاحت فيها عصافير البطون

بقلم : الصدّيق حاج أحمد الزيواني / جريدة الجمهورية الجزائرية

لعلّ أبلغ توصيف كَنَّى به علماء اللغة، عن حالة شدّة الجوع والمسغبة الجائرة؛ أن قالوا: صاح عصفور بطنه.. وهو أمر ينطبق تماما، بما أصاب أرض توات الكبرى"قورارة، توات الحنّة،تيدكلت" في ذلك العام المنحوس زمن الأربعينيات من القرن الماضي.. فمُذ تشكّل وعيي بالعالم الخارجي للقصر الطيني، ويومها أحسب نفسي طفلا صغيرا، لم أبرح طقوس التمائم المعلّقة برقبتي، ولم يُأذن بحلق عرف شعر رأسي بعد، إذْ كثيرا ما تناهى إلى سمعي، ذكر عام الجوع في حكايات الجارات مع أمي، ومن ثمة بمجالس الشيوخ، بفم القصبة، وفم أتْحَصّفْ، وفم البرجة، وديار الطايحين، وأغزولوض، وهي مجالس جليلة وخطيرة في حياة القصر الطيني، فكنتُ لا استسيغ هول هذا الذكر السمج للجوع، رغم عمري المبكّر يومها، وقد ازداد هذا الوجل، مع تنامي إدراكي الطفولي للأشياء، إذْ كثيرا ما سمعتُ أولئك الشيوخ، يؤرّخون به، فقد تسمع منهم، أن فلان ولد عام الغلاء، وعلاّن توفى عام الجوع، وكيلان سافر إلى تونس عام البون أو عام الجراد، مما كرّس في ذهني – وأنا صغير – جلالة هذا العام اللّقيط، وهو أمر طبيعي ومنطقي، كون العرب قديما، كانت تؤرّخ بالأحداث الجليلة في حياتها، كعام الفيل وعام الرمادة وغيرها.

وإذا كانت النوائب والصروف، التي مرّت على توات كثيرة ومتعددة، كالغزو، والسلب، ومجيء الجراد، والأوبئة؛ غير أن عام الغلاء، أو كما يصطلح عليه في القاموس المحلي بعام الجوع، هو الأكثر صدى وتداولية في يومياتهم، نظير ما لاقوا فيه من فوالِع فجيعة، إذ تزامن ذلك مع الحرب العالمية الثانية، وفيه غزا الجراد المنطقة، فأهلك الحرث والنسل، حيث تحتفظ الذاكرة الجمعية، هلاك تلك الأعداد المهولة من الناس في ذلك العام اللّعين، حتى ترك هذا الشُّؤم، وشما غائرا على جبين تاريخ المنطقة، فكثيرا ما سمعتُ في أحاديث الأهوال لدى أهل قصرنا الطيني، أن زيدا هلك، وهو يردّد في آخر حشرجته: ياتمرة.. ياتمرة.. أو أن عمرا مات، وهو يكرّر عند آخر عهده بالدنيا: ياكسرة.. ياكسرة.. الأغرب من هذا، أن مقبرتنا قد حوت حيزا كبيرا لهذه الفئة، يكفي أن تقيس ببصرك حجم مساحة القبور المزروعة من أولئك الهالكين، لتعرف هول الحدث الجلل يومئذ.

فقد عرف الناس عندنا في هذا العام البائس، المجاعة والمخمصة حقا وصدقا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. الزرع نفد من المواشير، كما فُقد التمر من المطامير، وأكل الجراد سعف النخلة، وأصبحت عارية كالأوتاد، وهو أمر أدى بساكنة توات، لأن تسلك مع التمرة والنّعمة مسلكا غريبا، منه ما يضحك، وفيه ما يدعو للبكاء فعلا. يحضرني في هذا المقام، تلك الأغنية الشعبية، التي تناقلتها الأجيال، معبّرة عن هذه النكسة (الله الله الله*ياسيدي بوتادارة * يامن جاهك عند الله* يارجال الصَبّارة*جيتْ أمْهَوّدْ لتوات*ألقيتْ الزَّعْفَة ما أبْقاتْ* أدّاها بوريشاتْ*والعار على مولانا)، والمقصود ببوريشات هنا؛ هو الجراد. ولم يكن من سبيل أمام القوم، لأن يسكتوا هذا الجوع المتغوّل، ويلجموا تضوّرهم منه، سوى أن يقتاتوا بالجراد نفسه، فسمّوا مسحوقه المأكول "هِنَسْ"، وإن كان ذلك حتمية قاهرة؛ غير أنهم وجدوا في ذلك تسلية وثأرا على ما يبدو. كما عرف الناس في هذا العام، أكل الحشائش، ونبات الحرّة، والغرّيم، وقديد الذرة، وعظام القطن، حيث تطحن، ويخبّز منها الخبز. أما من اشتهى اللّحم، فيمكنه أن يستأنس في خياله بشبه من ذلك، فالتمسوا طهي أغْروسْ "جلد الإبل"، أو التّاغوية، وهي محضن اللّبن من جلد الشاة، حيث يترك اللّبن ترسّبات طبقية بداخلها، كانوا يستلذون طعمها المطهي. هذا حالهم فيما يسلك بجعبة البلعوم من خشن الأكل، أما ما يدثّر أجسادهم الضامرة من اللّباس، فالمحظوظ من وجد عباءة سَملة يتدبّر بها عامه مع مهارته في الترقيع، أما السراويل فحدّث عني ولا حرج، وقُل رويتها عن الزيواني بسند صحيح؛ أن حكمها كان في العدم بلا مواربة، وهذه هي الحقيقة بلا تثريب.. النساء لم يكن بأحسن حال من الرجال، فالمَجُدودة منهن ذات البخت الوافر، من عثرت على إزار، أو لباس كتّان، كان يُدعى في تلك الأيام، بـ(كودة) أو(التيسور) أو(المحمودي)، وهو أمر ينسحب على البنات، اللائي يجدن قناعا يستر جسدهن شبه البضّ. أما حال أغطية أصحابنا وأفرشتهم، فأغلبها مصنوع من القطن المحلي، وقس على ذلك نعالهم المصنوعة من ألياف النخيل، المسمّى محليا بـ(لفدام)، كما التمسوا من هذا الأخير، غطاءً يُدعى (أجرتيل)، كانوا يستعملونه رداء للأبواب زمن الشتاء لانعدام الأبواب. ما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، حتى رقّت السلطة الاستعمارية لحال ساكنة توات، فعمدت إلى نظام توزيع المؤن بالوصل، أو ما يُعرف وقتها بـ"البون"، حيث يقوم عمدة القصر الطيني، أو شيخ القبيلة المخوّل، بإحصاء تعداد رعيته ومن تحت وصايته، ويقدّم ذلك لمنتدب السلطة الاستعمارية، يفرد له ما يسمى البون، ليذهب به إلى مدينة أدرار، عند تجّار مخصوصين بهذه العملية، فيصرفون له المؤنة المرصودة، من سكر وشاي ولباس وغيرها، مما يسدّ الرمق ولا يشبع.

لا يمكننا الحديث عن عام الغلاء بتوات الكبرى، دون أن نغفل تلك الهجرات الكبيرة، من أبناء المنطقة، نحو تونس العامرة، فقد احتضنت هذه الأخيرة، أعدادًا هائلة من تلك الأجيال أيام تلك المحنة، فسكنوها، واتخذوا من عاصمتها، ما يُعرف بالوكالات، وهي بيوت جماعية بسيطة على أية حال، بها غرف مستقلّة ومطبخ جماعي؛ منها وكالة التمّارين، ووكالة الحاج الصدّيق البوحامدي، ووكالة سوق العصر وغيرها، حيث يلتقي أبناء توات في العشيات بعد الانتهاء من العمل، فيشربون الشاي جماعة، ويتداولون أخبار توات وحنينهم إليها.

أجيال أفَلَت.. قرون مرّت.. أيام ولّت.. لكن هول الفاجعة، لازال يرنّ في جرس الزمان الغابر من تاريخ المنطقة الضائعة، وبما ترك من ندوب على أسوار قصباتها وأطلال أبراجها المتصدّعة من غدر الأيام، فيحكي السابق للاّحق، حدّوثة الغلاء وحكاية الجوع، لتصبح دُعابَة طريفة من نوادر توات الباسلة العظيمة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عام الغلاء بتوات السنة التي صاحت فيها عصافير البطون عام الغلاء بتوات السنة التي صاحت فيها عصافير البطون



GMT 14:20 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 12:23 2023 السبت ,29 تموز / يوليو

أعلنت اليأس يا صديقي !

GMT 05:17 2023 الأربعاء ,05 إبريل / نيسان

اليمن السعيد اطفاله يموتون جوعاً

GMT 00:59 2022 الإثنين ,14 آذار/ مارس

بعد أوكرانيا الصين وتايون

GMT 11:30 2021 الإثنين ,20 كانون الأول / ديسمبر

عطش.. وجوع.. وسيادة منقوصة

GMT 19:57 2021 الجمعة ,12 آذار/ مارس

التراجيديا اللبنانية .. وطن في خدمة الزعيم

النجمات يتألقن بلمسة الفرو في الشتاء

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 05:23 2026 الخميس ,01 كانون الثاني / يناير

مقتل 128 صحافياً حول العالم خلال عام 2025
المغرب اليوم - مقتل 128 صحافياً حول العالم خلال عام 2025

GMT 13:13 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

الثوم يعزز المناعة ويخفف أعراض الزكام
المغرب اليوم - الثوم يعزز المناعة ويخفف أعراض الزكام

GMT 18:54 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

مغربية تجوب قلب أفريقيا بالدراجة الهوائية في أخطر مغامرة
المغرب اليوم - مغربية تجوب قلب أفريقيا بالدراجة الهوائية في أخطر مغامرة

GMT 14:12 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

تظاهرات الطلاب في إيران تمتد إلى 10 جامعات على الأقل
المغرب اليوم - تظاهرات الطلاب في إيران تمتد إلى 10 جامعات على الأقل

GMT 19:02 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 07:57 2019 الإثنين ,14 تشرين الأول / أكتوبر

احتفال رسمي بمناسبة عودة أول رائد فضاء إماراتي

GMT 03:00 2019 الأحد ,03 شباط / فبراير

جهاز مبتكر يُجفّف فرو الكلاب في 10 دقائق فقط

GMT 19:24 2016 الجمعة ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

مسلسل "عودة الروح" يعود من جديد يوميًّا على "ماسبيرو زمان"

GMT 09:03 2024 الخميس ,07 تشرين الثاني / نوفمبر

كندة علوش تعود لموسم دراما رمضان 2025 عقب غياب ثلاث سنوات

GMT 06:36 2021 الخميس ,16 كانون الأول / ديسمبر

الحلقة المفقودة في مواجهة «كورونا» ومتحوراته

GMT 13:15 2021 الخميس ,10 حزيران / يونيو

مؤلف كتاب "الحفار المصري الصغير" يكشف موعدا هاما

GMT 04:25 2020 الأربعاء ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

فيروس "كورونا" يُحبط أوَّل لقاء بين سواريز ضد برشلونة

GMT 17:11 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الضحك والمرح هما من أهم وسائل العيش لحياة أطول
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib