نقطة نظام للضمير القضائي

نقطة نظام للضمير القضائي

المغرب اليوم -

نقطة نظام للضمير القضائي

بقلم - توفيق بو عشرين

النظام الداخلي، الذي صادق عليه المجلس الأعلى للسلطة القضائية بالإجماع، أسقطته المحكمة الدستورية مرتين؛ مرة بسبب الشكل، ومرة بسبب الموضوع، وكم كانت دهشتي كبيرة وأنا أقرأ النظام الداخلي لأعلى سلطة قضائية، وأرى كيف حصن القضاة من بعض أوجه المساءلة، وكيف وضع قيودا على شكايات المواطنين غير موجودة -القيود- في القانون التنظيمي للمجلس للأعلى، وكيف أعطى النظام الداخلي للمجلس صلاحيات خطيرة ودقيقة للجنة إدارية يعينها الرئيس المنتدب، وأوكل إليها اختصاص الحكم على جدية التظلمات والشكايات المرفوعة إليه ضد القضاة من عدمها، قبل عرضها على أنظار المجلس (هذا المقتضى الذي وضعه المجلس يحول لجنة إدارية إلى محكمة تصدر حكمها على شكايات المواطنين، دون أن تمر على أنظار المجلس الأعلى، المشكل من قضاة معينين وآخرين منتخبين وأعضاء بالصفة). جاء القانون الداخلي للمجلس معيبا من عدة وجوه وقفت المحكمة الدستورية على أهمها، منها إسقاط الشرط الذي أثار ضجة وسط الحكومة والصحافة، والمتعلق باشتراط توقيع الشكايات ضد القضاة قبل توجيهها إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وعدم قبول الشكايات مجهولة الاسم، أو التي لا مصلحة مباشرة لصاحبها، رغم أن القانون التنظيمي للمجلس لم يربط هذه الشكايات بأي قيود حتى يشجع المواطنين، كل المواطنين، على فضح فساد محتمل وسط الجهاز القضائي، دون خوف من انتقام أو متابعة أو حرج، ففي جميع الأحوال، الشكايات المجهولة والمعلومة، الموجهة إلى المجلس الأعلى للسلطة القضائية، لا تعطي مفعولها دون بحث وتحر وتحقيق من قبل السلطة التأديبية التي أوكل إليها الدستور مراقبة عمل القضاة والمحاكم.

الخلاصة من حكم المحكمة الدستورية، الذي أسقط النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية لمخالفته القانون التنظيمي والدستور، هي:

أولا: لقد كتب القانون الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية بقلم «قضاة» انحازوا، قصدا أو دون قصد، إلى توفير حماية وامتيازات لزملاء المهنة، ولم يتصرف الأعضاء المحترمون للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، في هذه النقطة بالذات، بتجرد كامل من بذلتهم ووظيفتهم وانتمائهم ولهذا ابتعدوا عن إقرار مبدئي العدل والإنصاف.

ثانيا: أظهر الفشل النسبي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية في تمرين كتابة نظام داخلي سليم ومتوازن، ومنسجم مع الدستور والقانون التنظيمي، الصعوبات التي ستواجه المجلس الجديد بتركيبته الجديدة، التي لا يبدو أنها استوعبت، إلى الآن، المهام الجسيمة الموضوعة فوق رأسها، في بلاد تشكو عدالتها فقر المصداقية والثقة والاستقلالية، في المرفق القضائي وهذا ربما ما دفع أحد مهندسي هذا الإصلاح إلى الخروج عن تحفظه، وإسماع صوت خوفه على كل الإصلاحات التي نادى بها في حالة إقرار القانون الداخلي للمجلس (مصطفى الرميد وزير العدل والحريات السابق وزير الدولة في حقوق الإنسان الآن).

ثالثا: إذا كان مطلب استقلالية القضاء مطلبا ديمقراطيا ومؤسساتيا، وينسجم مع أركان دولة الحق والقانون وفصل السلط، فهذا لا يعني أن يصبح جهاز القضاء في أيدي بعض القضاة يدافعون به عن مطالب فئوية، أو ينشئون به حصانة غير قانونية. سبق وأن كتبت افتتاحية في هذا الركن زمن الحوار الوطني حول إصلاح العدالة، تحت عنوان: «احذروا دولة القضاة»، بمناسبة إخراج النيابة العامة من تحت أي سلطة للرقابة، وقد استاء عدد من القضاة من هذا الرأي، بل ومنهم من رتب عليه جزاءات وعقوبات في حق كاتب هذا الرأي، سيجيء الوقت لعرضها أمام المؤسسات والرأي العام، لنعرف هل أُسقطت القداسة عن الملك في الدستور الجديد وذهبت إلى شخصيات أخرى دون علم المشرع!

رابعا: لا يمكن أن نصدر حكما نهائيا على عمل المجلس الأعلى للسلطة القضائية وهو بعد لم يزاول مهامه، ولا انتهى من كتابة نظامه الداخلي الذي سيعيد كتابته مرة أخرى، لكن لا بد من الوقوف عند حكم المحكمة الدستورية التي تصرفت بحكمة وبعد نظر، وروح قانونية وحقوقية عالية، وهي ترد هذا النظام الداخلي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، في ما يشبه نقطة نظام لا بد للجميع أن يدرك أبعادها، خاصة وسط القضاة، في مجلس موضوع على عاتقه أن يؤسس قضاء حرا ومستقلا وكفئا، يسترجع ثقة الناس في محاكمهم وقضاتهم.

في الحرب العالمية الثانية، وبينما كان هتلر يدك لندن بطائراته كل يوم، تقدم مواطن بريطاني بشكوى إلى المحكمة ترمي إلى إلغاء قرار الجيش البريطاني إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة مدنية، خوفا من استهدافها من قبل الطيران الألماني. وقع هذا في زمن الحرب وليس في زمن السلم، فكان رأي المحكمة من رأي المواطن، وحكمت بعدم جواز إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة آهلة بالسكان، فجاء وزير الدفاع عند رئيس الحكومة، ونستون تشرشل، غاضبا من حكم المحكمة التي تتدخل في الشأن العسكري، وتقيد يد الجيش زمن الحرب، فرد عليه تشرشل بحكمة مازالت مسجلة في كتب سيرته وسيرة حكومته، فقال له: «أهون علي أن أخسر حربا على أن يقال إن تشرشل رفض حكم القضاء البريطاني… أن نربح قضاء شامخا أهم من أن نربح حربا، ولو كانت عالمية»، وفي النهاية ربحت بريطانيا الاثنين.. الحرب والقضاء.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نقطة نظام للضمير القضائي نقطة نظام للضمير القضائي



GMT 14:15 2024 الأربعاء ,15 أيار / مايو

في ذكرى النكبة..”إسرائيل تلفظ أنفاسها”!

GMT 12:08 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

مشعل الكويت وأملها

GMT 12:02 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

بقاء السوريين في لبنان... ومشروع الفتنة

GMT 11:53 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

“النطنطة” بين الموالاة والمعارضة !

GMT 11:48 2024 الثلاثاء ,14 أيار / مايو

نتنياهو و«حماس»... إدامة الصراع وتعميقه؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 18:52 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع
المغرب اليوم - توقيت الطعام كلمة السر لنجاح الصيام المتقطع

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib