لبنان واحتمال التّفاهم التّركيّ – الإسرائيليّ…

لبنان واحتمال التّفاهم التّركيّ – الإسرائيليّ…

المغرب اليوم -

لبنان واحتمال التّفاهم التّركيّ – الإسرائيليّ…

بقلم : خيرالله خيرالله

 

تبدو كلّ دولة في المنطقة، باستثناء لبنان، مستعدّة للذهاب بعيداً من أجل خدمة مصالحها وحلّ مشاكلها الداخليّة حماية لنفسها وللنظام الحاكم فيها، بغضّ النظر عن طبيعة هذا النظام ومدى شرعيّته. على سبيل المثال وليس الحصر، استعانت سوريا بالغطاء الأميركيّ من أجل الانتهاء من الضغط الكرديّ المسلّح في منطقة الجزيرة. دفعت ثمن ذلك إسرائيليّاً كما دفعته للأكراد أنفسهم الذين أصبحوا للمرّة الأولى، أقلّه نظريّاً، مواطنين معترفاً بهم يتساوون في الحقوق والواجبات مع السوريّين الآخرين.

ما جرى في منطقة الجزيرة السوريّة واستعادتها السريعة من “قسد” (قوّات سوريا الديموقراطيّة) يذكّر إلى حدٍّ كبير بالمسار الذي شهده البلد في أواخر عام 2024، عندما تقدّمت قوّات “هيئة تحرير الشام” من إدلب ووصلت إلى دمشق في خلال أحد عشر يوماً فقط. لم يكن ذلك التحوّل السريع نتيجة انتصار عسكريّ تقليديّ بمقدار ما كان ثمرة تفاهم إقليميّ ودوليّ واسع. تَمثّل التفاهم بعمليّة تسليم وتسلّم أنهت النظام العلويّ لبشّار الأسد في ضوء انتهاء صلاحيّته وانتهاء الدور الذي كان مطلوباً منه أن يلعبه.

بعد عام وشهر على سقوط النظام العلويّ، وعلى الرغم من فشل الاجتماع الأخير بين الرئيس السوريّ أحمد الشرع والقائد العامّ لـ”قسد” مظلوم عبدي، يتّضح أنّ حكومة أحمد الشرع حقّقت نجاحاً. يتمثّل هذا النجاح في انتهاج سياسة انفتاح خارجيّ واسع، شمل كلّ القوى الدوليّة تقريباً، حتّى امتدّ الانفتاح إلى روسيا، التي كانت، قبل فرار بشّار إليها، تقصف إدلب بشكل شبه يوميّ دعماً له.
هل يعرف لبنان بدوره أنّ عليه دفع ثمن خسارته حرب الجنوب مع إسرائيل وأن لا مفرّ من دفع هذا الثمن؟

تدمير التّرسانة السّوريّة

من المفيد العودة بالذاكرة إلى أنّ سقوط النظام العلويّ رافقه تنفيذ إسرائيل، فور دخول أحمد الشرع إلى دمشق، سلسلة غارات جويّة من النوع الذي لا سابق له. استمرّت الغارات أيّاماً عدّة، ويمكن اعتبارها الأعنف في التاريخ الحديث لسوريا. أدّت إلى تدمير نحو ثمانين في المئة من الترسانة العسكريّة للجيش السوريّ، وأفقدت دمشق قدرتها على امتلاك سلاح جوّيّ أو صاروخيّ أو أسلحة ثقيلة. جعل ذلك الجيش السوريّ، عمليّاً، منزوع السلاح الثقيل.

بقيت إيران، وهو ما يبدو مطلوباً، الاستثناء الوحيد في مسار إعادة بناء العلاقات الخارجيّة لسوريا. بقيت “الجمهوريّة الإسلاميّة” خارج هذا الانفتاح السوريّ، وتحوّلت تدريجاً إلى العدوّ الوحيد لسوريا الجديدة. بل وكما يبدو اليوم، إلى الخصم الأبرز لدول المنطقة، بمعظمها، وللتحالفات المستجدّة.

في ضوء الهزيمة العسكريّة الكرديّة في منطقة الجزيرة السوريّة، يمكن ملاحظة ملامح اتّفاق إقليميّ – دوليّ جديد. في مقدَّم هذه الملامح تقاسم النفوذ بين تركيا وإسرائيل داخل سوريا بهدف منع أيّ اشتباك مباشر أو بالواسطة بين الجانبين، مستقبلاً.

تسعى إسرائيل إلى فرض سيطرة فعليّة على شريط واسع في الجنوب السوريّ. هذا ما أعلنته صراحة عبر تصريحات رسميّة وأكّدته بواسطة تحرّكات عسكريّة أدّت إلى سيطرة شبه كاملة على مناطق تمتدّ من الجولان وصولاً إلى السويداء. كانت الحجّة منع عودة إيران وميليشياتها إلى جنوب سوريا. يظهر أنّ دخول الجيش السوري إلى شمال شرقي البلاد جاء في إطار تفاهم مشابه يضمن لتركيا عدم تحوّل هذه المنطقة إلى مصدر تهديد لأمنها القوميّ، خصوصاً عبر منع قيام كيان تصنّفه أنقرة “إرهابيّاً”.

ترحيل عناصر كرديّة

على المستويَين الإقليميّ والدوليّ، يبدو احتمال التفاهم بين دمشق و”قسد”، برعاية أميركيّة، الذي يتضمّن رفض وجود مقاتلين أكراد غير سوريّين في شمال شرقي سوريا، انعكاساً لتوجّه إقليميّ ودوليّ واسع. تشير المعطيات المتوافرة إلى ترحيل عناصر من الأحزاب الكرديّة المتطرّفة إلى خارج سوريا في اتّجاه الشرق.
يحقّ للبنان أيضاً، في حال أراد تفادي أن يكون ضحيّة أيّ تفاهمات إقليميّة، عمل مصلحته مثلما عملت إيران مصلحتها

في هذا السياق، يبرز احتمال توظيف هؤلاء المقاتلين، غير المرغوب في بقائهم داخل الأراضي السوريّة، ليكونوا أداة لزعزعة الاستقرار في إيران. يُتوقّع حصول ذلك في سياق سيناريوهات محتملة تتعلّق بإيران التي تمرّ بمرحلة تصاعد للتوتّرات الداخليّة، من احتجاجات واضطرابات متزايدة، بالتوازي مع التهديدات المتكرّرة بشنّ ضربات جوّية أميركيّة–إسرائيليّة.

لبنان

يبدو أنّ بعضاً من “الحلّ السوريّ” سوف يأتي جزئيّاً على حساب طهران. تشير الأحداث الراهنة إلى أنّ إيران قد تكون مقبلة على مرحلة من عدم الاستقرار، في سياق إعادة رسم موازين القوى في المنطقة والعالم. هذا ما يفسّر إلى حدّ كبير سعي “الجمهوريّة الإسلاميّة” إلى فتح قنوات اتّصال مباشرة مع إدارة دونالد ترامب بغية معرفة تفاصيل التنازلات المطلوبة منها، خصوصاً على صعيد دورها الإقليميّ وأدواتها المعروفة من نوع “الحزب” وغيره… والصواريخ البالستيّة. باتت هذه الصواريخ، إلى جانب الملفّ النوويّ، في طليعة الاهتمامات الإسرائيليّة في الوقت الحاضر.

الخروج من هاجس التّهديدات

في ظلّ التعقيدات الإقليميّة، بما في ذلك بوادر تفاهمات بين تركيا وإسرائيل ترعاها أميركا في سوريا، من الأفضل للبنان السعي إلى استيعاب ما يدور في محيطه. عليه محاولة ذلك في غياب امتلاك القدرة على التأثير في الأحداث. ربّما الخطوة الأولى في هذا المجال هي الخروج من هاجس تهديدات “الحزب” في شأن الحرب الأهليّة واستيعاب أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” تطمح إلى تفاهمٍ ما مع الولايات المتّحدة وحتّى مع إسرائيل كي تضمن بقاء النظام.
يستأهل لبنان امتلاك قيادة سياسيّة في مستوى الحدث الإقليميّ الذي يتمثّل في احتمال حصول تفاهم تركيّ – إسرائيليّ، برعاية أميركيّة

يستأهل لبنان امتلاك قيادة سياسيّة في مستوى الحدث الإقليميّ الذي يتمثّل في احتمال حصول تفاهم تركيّ – إسرائيليّ، برعاية أميركيّة، في شأن توزيع مناطق النفوذ في سوريا. ما يزال هذا التفاهم، الذي ذهبت ضحيّته “قسد”، في حاجة إلى بلورة بغية تفادي مواجهة بين الجانبين في سوريا.

يحقّ للبنان أيضاً، في حال أراد تفادي أن يكون ضحيّة أيّ تفاهمات إقليميّة، عمل مصلحته مثلما عملت إيران مصلحتها. تتصرّف “الجمهوريّة الإسلاميّة”، على الرغم من لغة المكابرة، من منطلق أنّ عليها دفع ثمن الحروب التي خسرتها.

هل يعرف لبنان بدوره أنّ عليه دفع ثمن خسارته حرب الجنوب مع إسرائيل وأن لا مفرّ من دفع هذا الثمن؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لبنان واحتمال التّفاهم التّركيّ – الإسرائيليّ… لبنان واحتمال التّفاهم التّركيّ – الإسرائيليّ…



GMT 05:20 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

في يوم قائظ

GMT 05:19 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

بائع الشاي

GMT 05:18 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

من قلعة الشقيف إلى هرمز

GMT 05:17 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

حجارة «الشقيف»... لو تكلمت

GMT 05:16 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

«السردية» والعلاقات الدولية

GMT 05:15 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

مونيكا بين عمر الشريف وأحمد عز

GMT 05:13 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

الذين سحبوا.. وأنفقوا

GMT 05:05 2026 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

ثورات تكنولوجية !

أناقة البدلات تسيطر على إطلالات النجمات في عيد الأضحى

دبي - المغرب اليوم

GMT 12:22 2012 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

رحلة إلى العصور الوسطى في بروغ البلجيكية

GMT 03:03 2017 الخميس ,13 إبريل / نيسان

تناول الفاكهة ليس سببًا للاصابة بمرض السكري

GMT 13:37 2024 السبت ,13 كانون الثاني / يناير

من أي معدن سُكب هذا الدحدوح!

GMT 09:45 2021 الثلاثاء ,16 شباط / فبراير

عيب خطير في ساعات أبل و الشركة تعرض الإصلاح مجانا

GMT 10:33 2020 الأربعاء ,29 كانون الثاني / يناير

روسيا تعزز قدرات مطار "فوستوتشني" الفضائي

GMT 03:41 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

ميلانيا ترامب ترتدي معطفًا لغوتشي بقيمة 4000 دولار

GMT 07:47 2024 الخميس ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

أفكار في الديكور للحصول على غرفة معيشة مميزة في 2025

GMT 09:51 2024 الثلاثاء ,09 تموز / يوليو

أمن طنجة يفكك شبكة متخصصة في سرقة دراجات نارية

GMT 10:45 2023 الجمعة ,08 كانون الأول / ديسمبر

هزة أرضية بقوة 5.1 درجات تضرب شرق خليج عدن

GMT 13:08 2023 الثلاثاء ,18 إبريل / نيسان

الشهب الاصطناعية تغرم نادي أولمبيك خريبكة

GMT 18:31 2023 الإثنين ,23 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط تُسجل 87.47 دولار لبرنت و81.49 دولار للخام الأميركي

GMT 21:31 2022 الثلاثاء ,05 تموز / يوليو

الشرطة الأميركية تكشف خطة هروب مسلح شيكاغو
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib