بحثاً عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل

بحثاً عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل...

المغرب اليوم -

بحثاً عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل

بقلم - خيرالله خيرالله

لا أفق سياسياً في المدى المنظور للعلاقات بين سوريا وإسرائيل على الرغم من الاجتماع الذي انعقد أخيراً بين الجانبين في باريس برعاية أميركيّة. صحيح أنّ البيان المشترك الأميركي – السوري – الإسرائيلي ركز على انشاء آلية تنسيق مشتركة باشراف الولايات المتحدة تشمل تبادل المعلومات، لكنّ الصحيح أيضاً أن البيان لم يتطرق إلى البحث عن حل سياسي شامل. اكتفى البيان بمعالجة الوضع القائم الذي يتميّز بتوترات بين الجانبين.

يبدو أنّ المشكلة بين سوريا وإسرائيل ثلاثية. هناك أوّلاً غياب للمشروع السياسي الإسرائيلي على الصعيد الإقليمي. لا يقتصر غياب المشروع السياسي على سوريا وحدها في ضوء تحكّم هاجس الأمن، منذ «طوفان الأقصى»، بكلّ التصرّفات الإسرائيلية. لا تفكير إسرائيلياً سوى بإقامة مناطق عازلة في كلّ مكان، إن بالنسبة إلى غزة أو بالنسبة إلى سوريا ولبنان. يبقى الهاجس الإسرائيلي الأهمّ في الضفّة الغربية التي تسعى الدولة العبريّة إلى تفريغها من القسم الأكبر من سكانها. كلّ ذلك من أجل قطع الطريق على إمكان دولة فلسطينيّة في يوم من الأيام.

هناك ثانياً البعد السوري للمشكلة بين الجانبين. لا تزال المشكلة مع الدروز في محافظة السويداء عالقة، كذلك مع العلويين ومع الأكراد. لا يزال هناك خوف لدى سنّة المدن الكبيرة من اجتياح الريف وقيمه للمدينة. الأهم من ذلك كلّه أن لا وجود حتى الآن لكوادر مؤهلة تستطيع لعب دور داخل المؤسسات الحكومية.

يستغل الإخوان المسلمون الوضع الناجم عن انعدام الكوادر المؤهلة والقدرة على التعاطي مع تحديات مرحلة ما بعد انهيار النظام الأسدي. حصل غزو إخواني لوزارة الخارجية السوريّة في ظلّ إصرار على رفض عودة الديبلوماسيين الذين كانوا في ملاك الوزارة إلى ممارسة نشاطهم العادي. هؤلاء انشقوا عن النظام السابق، لكنّ لا إعادة للاعتبار لهم بشكل كامل.

يبقى، ثالثاً، الخطر الأكبر على سوريا في تحوّلها إلى «ساحة» للصراع بين تركيا وإسرائيل بعدما كانت في السنوات الأربعين الماضية «ساحة» صراع بين إيران وإسرائيل. في السابق، شكّلت سوريا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات غير المباشرة بين الدولة العبريّة و«الجمهوريّة الإسلاميّة». كانت الضربات والردود تحصل من دون انزلاق إلى مواجهة مباشرة. اليوم، يبدو أن المشهد يتكرّر بصيغة مختلفة، مع انتقال مركز الثقل السوري إلى صراع إقليمي جديد تحكمه حسابات إسرائيلية – تركية متشابكة، وتلعب فيه «قوات سوريا الديموقراطية» الكرديّة (قسد) دوراً محورياً.

يبدو أنّ حسابات «قسد» تنطلق من قراءة إقليمية أوسع، تقوم على تزايد احتمالات توجيه ضربة عسكرية لإيران من الولايات المتحدة أو من الولايات المتحدة وإسرائيل في الوقت ذاته. مثل هذا السيناريو، من وجهة نظر «قسد»، قد يفتح الباب أمام احتمال بروز كيان كردي في شمال غربها. وانطلاقاً من هذا التقدير، تسعى «قسد» إلى كسب الوقت في «الساحة السورية»، عبر تفجير المواجهات وتأجيل تنفيذ اتفاق 10 مارس 2025، المتعلّق بانضمام المقاتلين الأكراد للجيش السوري، وتأخير أي مسار تسووي قد يقيّد حركتها في هذه المرحلة الحساسة.

في المقابل، ترى إسرائيل في هذا التحرك فرصة تخدم أهدافها التكتيكية والإستراتيجية في آن. فالعلاقة التنسيقية بينها وبين «قسد»، المبنية على تقاطع المصالح، تتيح للدولة العبريّة استخدام هذه الورقة لإحراج تركيا، التي باتت الخصم الإقليمي الأبرز لإسرائيل في سوريا. هذا الإحراج قد يدفع أنقرة إلى اتخاذ قرار بالدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع «قسد»، ما يعني عملياً تدويل الصراع ورفعه إلى مستوى يتجاوز الإطار الداخلي السوري.

لا يُستبعد، في هذا السياق، أن تلجأ إسرائيل إلى سيناريوهات تصعيدية مألوفة، شبيهة بما جرى خلال أحداث السويداء في الصيف الماضي. وقتذاك قصفت إسرائيل دمشق واستهدفت وزارة الدفاع. مثل هذا التدخل قد يتكرر في حال مالت كفّة المواجهة لمصلحة الجيش السوري، أو في حال قررت تركيا التدخل عسكرياً بشكل مباشر إلى جانبه في حلب.

من هذه الزاوية، لا يمكن فصل تحرّك «قسد» في حلب عن التحولات الإقليمية الأوسع، ولا عن إعادة رسم خرائط النفوذ والصراع في سوريا. فالمشهد الحالي يوحي بأن البلاد تدخل مرحلة جديدة من حروب الوكالة، تتبدّل فيها الأدوات والأطراف، بينما تبقى الأرض السورية «الساحة» المفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

مرّة أخرى، تبرز أهمّية لملمة الوضع الداخلي السوري كي يتبلور أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل بدل أن تترك الأمور لرغبات إسرائيليّة مبنية على فكرة المنطقة العازلة التي يطمح بنيامين نتنياهو إلى بلوغها محيط دمشق.

على الرغم من كلّ النجاحات الخارجيّة التي حقّقها أحمد الشرع، بما في ذلك العطر الذي رشّه عليه دونالد ترامب، يبقى التحدي الأوّل تحدّياً داخلياً. يُختزل هذا التحدي بكيفيّة الانتقال من النظام الذي أقامه حافظ وبشّار الأسد إلى نظام لا تمييز فيه بين منطقة وأخرى. لا يكون ذلك سوى بالاستعانة بأفضل السوريين وأكثرهم نجاحاً في كلّ الميادين داخل البلد وخارجه.


 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بحثاً عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل بحثاً عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل



GMT 16:56 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

الأولون

GMT 16:52 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ربطة عنق إيرانية

GMT 16:50 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

كتاب عاصف يقول كل ما كان عليه كيسنجر!

GMT 16:48 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

ماذا يخبئ عام الحرب الرابع للسودان؟

GMT 16:45 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

يوم مقتل فرعون!

GMT 16:42 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

التاريخ بسرعة مجنونة

GMT 16:37 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

إيران والحزام والطريق

GMT 11:17 2026 الخميس ,16 إبريل / نيسان

لبنان يفاوض كي لا يكون الجنوب… جولانَ آخر

هنا الزاهد تعيد إحياء فستان البولكا دوت بإطلالة أنثوية من باريس

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 09:47 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 15:22 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 19:02 2023 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

المغربي أيوب الكعبي يهز الشباك في الدوري التركي

GMT 06:31 2020 الأربعاء ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الأربعاء 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 14:19 2017 الأربعاء ,07 حزيران / يونيو

محمد حماقي يحتفل بمولودته الأولى فاطمة

GMT 02:01 2017 الثلاثاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

فاطمة ناصرتشارك بفيلم " مصطفي زاد" في مهرجان قرطاج السينمائي

GMT 13:03 2024 الإثنين ,22 كانون الثاني / يناير

أبراج تمتلك كاريزما وجاذبية أبرزها الأسد

GMT 08:52 2021 الأربعاء ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

تغيير موعد قمة الوداد أمام الرجاء في "الديربي"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib