جرائم العدالة والتنمية

جرائم العدالة والتنمية

المغرب اليوم -

جرائم العدالة والتنمية

بقلم : رشيد نيني

في إطار تطويل أمد الأزمة الحكومية ألمح عبد الإله بنكيران إلى احتمال ذهاب حزبه إلى المعارضة، ونصح أتباعه بالقبول بهذا الاحتمال لأجل مصلحة البلاد، وأن لا يؤثر فيهم ذلك لأنهم إذا لم يسيروا الحكومة فإنهم يسيرون المدن.

ومنذ وصول إخوان بنكيران إلى قيادة الحكومة وتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام المحلي بالمجالس الجماعية، أصبح قادة وأعضاء حزب العدالة والتنمية يتقنون فن تبرير الكوارث التي يتورطون فيها، وفِي بعض الأحيان تصل هذه التبريرات حد استغباء المغاربة، كما حدث بعد الفيضانات التي شهدتها مدينتا الرباط وسلا والتي فضحت هشاشة البنية التحتية بالمدينتين التي يشرف على عموديتهما كل من البرلماني محمد الصديقي وجامع المعتصم مدير ديوان رئيس الحكومة.

ومباشرة بعد حملة الاستنكار والاحتجاج التي عمت مواقع التواصل الاجتماعي، بعد انقطاع المواصلات بين عدوتي نهر أبي رقراق، شنت شبيبة الحزب وانكشاريته حملة مضادة، لتبرير ما وقع من فيضانات، مدعية أن ما وقع يحدث في كل بلدان العالم كألمانيا وإيطاليا، في الوقت الذي يجب فيه تحديد المسؤوليات وربط المسؤولية بالمحاسبة كما ورد في الدستور.

عندما كان الحزب في المعارضة كان يقيم الدنيا ولا يقعدها عندما كانت تحدث كوارث طبيعية، فكان أعضاء فريق الحزب بمجلس النواب يحولون اجتماعات لجنة الداخلية إلى جلسات لمحاكمة المسؤولين وجلدهم، متهمين الحكومة والمجالس بالتقصير ومطالبين بالمحاسبة.

أما جامع المناصب المعتصم بالكراسي، عمدة سلا، الذي شغل منصب نائب العمدة مكلف بقطاع التعمير، خلال الولايات السابقة، فتجب محاسبته بسبب ما وصلت إليه المدينة من هشاشة وتهميش، وبالنسبة للمتضررين من الفيضانات فمن حقهم اللجوء إلى المحاكم للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي لحقتهم جراء المسؤولية التقصيرية للمجلس الجماعي، الذي أطلق مجموعة من الأوراش قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة لاستمالة أصوات الناخبين، إلا أن هذه الأوراش اختفت من أحياء وشوارع المدينة بعد إعلان نتائج الانتخابات وحصد الحزب الحاكم لأغلب المقاعد البرلمانية بالمدينة التي ترشح فيها رئيس الحكومة ورئيس المجلس الجماعي.

إن القانون التنظيمي للجماعات يفرض في مادته 78 على رؤساء الجماعات وضع برنامج عمل لمدة ست سنوات، لكن وإلى حدود اليوم وبعد مرور سنة ونصف على إجراء الانتخابات الجماعية، ليس هناك عمدة واحد في كل مدن المغرب وضع برنامجا لتطوير المدينة، ببنياتها التحتية أو التنموية وكل المجالات التي تدخل ضمن اختصاصات المجلس.

وبالعودة إلى مدينة سلا، التي تعتبر الدائرة التي يمثلها بنكيران داخل البرلمان منذ 20 سنة، فيمكن تصنيفها كمدينة منكوبة، بسبب غياب الإنارة العمومية، كارثة النقل العمومي، ضعف قنوات التطهير السائل ومحطات معالجة المياه العادمة، بالإضافة إلى الفوضى في السير والجولان، ونحن هنا نتحدى السي جامع المناصب المعتصم بالكراسي أن يعطينا البرنامج الذي جاء به للست سنوات المقبلة.

هؤلاء «الباجدة» يطلبون صوت المواطن في الانتخابات لإسقاط الفساد والاستبداد، وعندما ينجحون يقولون إن التحكم يمنعهم، لكن التحكم لا يمنعهم من الحصول على الراتب السمين والامتيازات التي يحصلون عليها من البرلمان والمجالس المنتخبة. يطلبون صوت المواطن للتسيير الجماعي وعندما يصلون إلى رئاسة المدن والجهات ويحتاج إليهم المواطن عندما تحدث فيضانات يقولون إن العامل والداخلية منعاهم، إذا كنتم تعرفون سلفا أن الداخلية ستمنعكم من العمل لماذا تكذبون على المواطنين وتطلبون أصواتهم للوصول إلى البلديات والجهات ؟

وحتى المشاريع التي برمجها المجلس السابق لسلا في إطار برنامج تأهيل المدينة، الذي أطلقه الملك محمد السادس أثناء زيارته لها، تعرف تعثرا كبيرا رغم الإمكانيات المادية الكبيرة المرصودة لهذه المشاريع، والتي بلغت 100 مليار سنتيم، فقد اختفت هذه المشاريع من شوارع وأحياء المدينة، مباشرة بعد الانتخابات التشريعية واستقطاب أصوات الناخبين التي منحت للحزب الحاكم أربعة مقاعد برلمانية، ومنها مقعدا بنكيران ومدير ديوانه المعتصم.

أما بنكيران فقد كان أول برلماني من العدالة والتنمية بعد الانتخابات الجزئية سنة 1998 إثر قرار إلغاء مقعد جمال لغماني من طرف المجلس الدستوري، والذي كان مفاجئا ومثيرا للجدل، وكان الهدف هو تمكين بنكيران من وظيفة منبرية بالبرلمان لمعارضة الاتحاد الاشتراكي وذلك برغبة من مخزن ذاك الزمان، في حين تم تعويض لغماني عن خسارته لمقعده البرلماني بمنصب مدير لدى وزارة الشؤون الاجتماعية ثم وزيرا للتشغيل.

وقد بدأت غزوة العدالة والتنمية لمدينة سلا منذ ذلك التاريخ لترتمي هذه المدينة في أحضان الخراب والظلام، والنتيجة أنها لا تتوفر على بنية تحتية ولا على بنية فوقية، مدينة عمرانها مشوه بسبب انتشار البناء العشوائي، وتحولت إلى وكر للجريمة ومرتع للفكر المتطرف، ومنذ سنة 2003 كان الحزب شريكا في تدبير الشأن المحلي، خلال الولايات السابقة، قبل حصوله على الأغلبية في الولاية الحالية، ودائما كان المعتصم هو النائب الأول للرئيس، ولسبب يعرفه جيدا كان يحرص على الحصول على تفويض التعمير، وبالتالي فهو مسؤول عن جرائم التعمير التي عرفتها المدينة طيلة 14 سنة، إن لم يكن بالمشاركة فبالتواطؤ والسكوت.

كما شارك حزب العدالة والتنمية، في صرف 150 مليار سنتيم التي رصدت لمخطط التأهيل الحضري 2004 /2007 على عهد العمدة السابق السنتيسي، والذي تحول بقدرة قادر من برنامج للتأهيل الحضري إلى حملة انتخابية للحزب في تشريعيات 2007، والانتخابات المحلية لسنة 2009، بعد إفراغه من محتواه، وتحويله إلى برنامج للتبليط والتزفيت من أجل استمالة أصوات الناخبين، وكان آنذاك المعتصم نائبا للعمدة السابق.

كما ساهم حزب العدالة والتنمية في إقبار الحي الصناعي الذي كان يحتاج إلى إجراءات تحفيزية لجلب المستثمرين وهو ما لم يتم، إلى أن تحول هذا المتنفس الذي كان يشغل حوالي 25 ألف مستخدم بين سنتي 1997 و2001، وشارك في خسارة المدينة لوعاء عقاري استراتيجي تصل مساحته إلى 9 هكتارات خصصت لإنجاز مشروع تابريكت الوسطى، قبل أن يعاد تفويت جزء من الوعاء العقاري لأحد المنعشين، مما كبد الجماعة خسارة بلغت 20 مليار سنتيم، وهو القرار الذي وافق عليه حزب العدالة والتنمية في فبراير من سنة 2015.

أما عبد اللطيف سودو، فهو كذلك مستشار جماعي ونائب للعمدة منذ 14 سنة، والذي أطلق عليه بعض ظرفاء سلا لقب «الصحاف»، لأنه آخر من يعلم بما يقع داخل المدينة، وكان طيلة 14 سنة التي قضاها بالمجلس مكلفا بالعلاقة مع شركة «ريضال»، وكان دائم السفريات على حساب الجماعة والشركة، وهو كذلك شاهد عيان على أربع عشرة سنة من الفساد المتعدد الأشكال، لأنه على علم بكل دقائق الأمور في السنوات السابقة، وعاش في ظل لزرق الذي فعل في سلا الأفاعيل، مباركا لكل القرارات الجماعية مدافعا عن موقعه فقط ولا شيء غير ذلك، وخاصة الصفقات المتعلقة بتهيئة مجموعة من شوارع المدينة والتي كلفت أزيد من 40 مليار سنتيم، كما أنه رفض إخضاع صفقات الإنارة لخبرة تقنية.

والكل يتذكر كيف جمع عمدة سلا الأسبق مستشاري العدالة والتنمية، بمن فيهم المعتصم وبنبراهيم والزويتن وهؤلاء الثلاثة هم من شكلوا لائحة بن كيران في الانتخابات الأخيرة، حيث سافر بهم رفقة مستشارين آخرين من الأحزاب الأخرى إلى ضيعة بنواحي مكناس، وهناك قضوا أسبوعا كاملا من الأكل و«النشاط»، قبل إحضارهم أثناء انعقاد جلسة انتخاب الرئيس، وبعد قضاء مصالحهم انقلبوا على العمدة في آخر ولايته بعدما كانوا هم العمود الفقري للمجلس، وتحالفوا مع نور الدين لزرق من الأحرار والذي أزاله أخنوش من منصب المنسق الإقليمي، وذلك بعدما كانوا من أكبر معارضيه، وكانوا يتهمونه بكل التهم، ويطعنون في ذمته، وبعد أن قضوا مصالحهم مع لزرق انقلبوا عليه بدوره، وهنا نتساءل مع المتسائلين لماذا لا يقدمون ملفات الفساد وهي بين أيديهم للقضاء ووزير العدل ينتمي إلى حزبهم؟

كيف لحزب العدالة والتنمية أن يتهرب إذن من المسؤولية في ما وقع بسلا وهو شارك في تسيير هذه المدينة المنكوبة طيلة السنوات السابقة، وتحالف مع حزب الأصالة والمعاصرة في المجلس السابق، ويتوفر حاليا على أزيد من 100 مستشار جماعي بالمقاطعات ومجلس المدينة، وعلى أربعة برلمانيين، فضلا عن رئيس الحكومة نفسه، إضافة إلى ثلاثة وزراء من الحكومة، وهم جميلة المصلي وعبد القادر عمارة بالإضافة إلى أمين الصبيحي.

لقد صوت الأتراك على أردوغان ليكون رئيسهم وحزب العدالة والتنمية لكي يحكمهم لأنهم شاهدوا كيف حول إسطنبول عندما كان عمدة لها من مزبلة إلى واحدة من أجمل مدن العالم.

بمعنى أن أردوغان بين «حنة يديه» في التسيير الجماعي والمحلي ومنه انطلق لكي يبين «حنة يديه» في التسيير الحكومي.

عندنا بمجرد ما تحمل مستشارو وعمداء العدالة والتنمية مسؤولية تسيير المدن نجحوا في شيء واحد هو تكثير أعداد الباعة المتجولين والانشغال بمنع الاختلاط في صالونات الحلاقة وغض الطرف عن البناء العشوائي.

والسبب هو أنهم يحتاجون الفقر والبؤس لكي يعششوا فيه ويستغلوا ضحاياه لكسب أصواتهم في الانتخابات، لذلك فليس من مصلحتهم محاربة الفقر والهشاشة لأنها رصيدهم الانتخابي الذي لا ينفد

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

جرائم العدالة والتنمية جرائم العدالة والتنمية



GMT 05:05 2017 الثلاثاء ,06 حزيران / يونيو

حتى أنت يا مصيطيفة

GMT 05:06 2017 السبت ,03 حزيران / يونيو

الدرهم العائم

GMT 06:18 2017 الخميس ,01 حزيران / يونيو

يتيم في العيد

GMT 06:30 2017 الثلاثاء ,30 أيار / مايو

عادات سيئة

GMT 05:40 2017 السبت ,27 أيار / مايو

ولاد لفشوش

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين

GMT 12:27 2014 السبت ,12 تموز / يوليو

الفنانة العراقية سحر طه تغني بغداد

GMT 05:30 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

عرض استثنائي لـ"فيتون" لوداع المدير الفني الخاص بها

GMT 09:24 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

أجمل بروشات الفاخرة التي تناسب موسم الأعياد

GMT 08:11 2012 الجمعة ,22 حزيران / يونيو

برنت يتراجع عن مستوى 104 دولارات للبرميل

GMT 23:04 2016 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

التصريف اللمفاوي مفيد لمشاكل الجهاز اللمفاوي

GMT 14:15 2016 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

فوائد الشطة لعلاج مرض الصدفية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib