عشية الحرب الجارية بين الجمهورية الإيرانية من جهة، والثنائي الأميركي-الإسرائيلي من جهة أخرى، وضعنا تكهنات حول ستة سيناريوهات قد تتبلور ملامحها.
ويبدو الآن أن السيناريو الذي اختارته طهران -أو ما تبقى من قيادتها- هو «خيار شمشون»، الذي يهدف إلى خوض حرب طويلة تهدف إلى توسيع نطاق الصراع حتى ينهار المعبد فوق رؤوس الجميع.
لقد استند اختيار هذا الخيار إلى افتراضات عدة؛ أولها أن الرئيس دونالد ترمب لا يملك الصبر للانخراط في مواقف معقدة تشبه المتاهات، وأنه إذا لم يتوفر نجاح قصير وسريع، فإنه سينتقل إلى مسعى آخر يتصدر العناوين.
ففي يونيو (حزيران) الماضي، أنهى ترمب التدخل الأميركي في حرب إسرائيل ضد إيران خلال 37 ساعة فقط، بإعلانه وقف إطلاق النار الذي لم تكن تريده إسرائيل ولا إيران. كما أن «انقلاب كاراكاس» المثير الذي قاده ترمب لم يستمر سوى خمس ساعات فقط.
وكان الاعتقاد السائد في طهران يرى أن إسرائيل هي الأخرى قد نشأت على سردية «حرب الأيام الستة»، أو «رحلة بيروت السريعة» التي استغرقت يوماً واحداً في عام 1982. وبسبب افتقارها إلى العمق الجيوسياسي، لا تستطيع إسرائيل تحمل تكلفة حرب طويلة من شأنها تعطيل النشاط الاقتصادي بينما يهرع الناس إلى الملاجئ.
لقد كان انخراط إسرائيل الطويل في غزة ممكناً، لأن حركة «حماس»، بعد المرحلة الأولى من الصراع، أصبحت عاجزة عن مهاجمة الأراضي الإسرائيلية؛ وبذلك تحولت «حماس» إلى «سندان» يمكن لـ«المطرقة» الإسرائيلية أن تطرقه كما تشاء وبالقدر الذي تريده.
أما الافتراض الثاني، فهو أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تتمتعان بامتياز تحظى به قيادة الجمهورية الإيرانية، ألا وهو: تجاهل الرأي العام الداخلي.
ففي فيتنام، وبعد «هجوم تيت»، كانت الولايات المتحدة قد حسمت الحرب عسكرياً، لكنها انتهت بخسارتها سياسياً جراء المعارضة الواسعة في الداخل الأميركي وضغط الرأي العام العالمي. وفي عام 2009، كان بإمكان إسرائيل القضاء على «حماس» في غزة، لكنها توقفت في منتصف الطريق بسبب المعارضة الداخلية والضغوط القادمة من واشنطن.
وتذهب حسابات طهران إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة لا يمكنهما تحمل عدد كبير من الخسائر البشرية لفترة طويلة، في حين تستطيع هي فعل ذلك مستندةً إلى «عقيدة الاستشهاد» العجيبة الخاصة بها.
وفي يوم الأربعاء، زعم علي لاريجاني -الرجل الذي كلَّفه الراحل خامنئي بملف الأمن القومي- أن قوات «الحرس الثوري» قتلت أكثر من 500 أميركي في الأيام الثلاثة الأولى من الحرب. وإذا صح ذلك، وهو ما لا أظنه، فإن الخسائر الأميركية بهذا المعدل قد تتجاوز 20 ألف قتيل في غضون ثلاثة أو أربعة أسابيع فقط.
أما الافتراض الثالث، فهو أن كلاً من ترمب ونتنياهو مقبل على انتخابات صعبة، وبمجرد إدراكهما عدم القدرة على تحقيق نصر حاسم يَلوح في الأفق، فسوف يسعيان لإنهاء الحرب، مما يمنح النظام الإيراني فرصة للبقاء.
وكان الافتراض الرابع لدى طهران، أن مهاجمة معظم دول المنطقة -إضافةً إلى قبرص- من شأنه أن يرسل موجات صدمة تتجاوز النطاق المحدود للصراع. وهذا بدوره سيقنع عديداً من الدول بالانضمام إلى جوقة المنادين بـ«إنهاء الحرب الآن»، بينما ترتفع أسعار النفط، وتضطرب أسواق المال، وتصاب دول المنطقة الساعية للسلام والرخاء بحالة من الذعر.
كما أن إغلاق مضيق هرمز، رغم كونه مجرد «إيماءة استعراضية» أكثر منه تحركاً عسكرياً جاداً، قد يسهم أيضاً في إثارة القلق الدولي.
وأخيراً، افترضت طهران أنها تتمتع بميزة امتلاك هدف واحد للحرب وهو: «البقاء».
ففي عام 1917، قال لينين -وهو نموذج غير متوقع لآية الله علي خامنئي- لمكتبه السياسي، إن الهدف يجب أن يكون «البقاء بأي ثمن ولو لمائة يوم فقط».
وفي المقابل، يبدو أن للولايات المتحدة وإسرائيل أهدافاً مختلفة، وإن لم تكن متناقضة بالضرورة.
في يونيو (حزيران) الماضي، غرّد ترمب بعبارة «استسلام غير مشروط» موجَّهة إلى طهران، لكنه في الوقت ذاته أرسل ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر للسعي وراء عقد محادثات غير مباشرة مع الجانب الإيراني.
في المقابل، يبدو أن إسرائيل تهدف إلى نزع سلاح إيران تماماً تحت أي قيادة كانت، والانخراط -إن أمكن- في حروب طائفية على أساسٍ «لا رجعة فيه»، مما سيؤدي إلى إقصاء إيران عن أي معادلة في الشرق الأوسط لفترة طويلة، ويجعل من إسرائيل حجر الزاوية في أي وضع راهن جديد.
وأخيراً، تراهن طهران على ما تعتقد أنه غياب لبديل جدي للنظام الحالي، مع استعداد جانب من المعارضة في المنفى لـ«ابتلاع» بقاء النظام بهدوء من أجل منع استعادة الملكية الدستورية. وهذا من شأنه أن يجبر الولايات المتحدة، إن لم تكن إسرائيل، على القبول بالتحدث مع القيادة الجديدة لما بعد خامنئي في طهران.
فهل سينجح «خيار شمشون» لصالح طهران؟ إجابتي مبدئياً هي «كلا».
والسبب الرئيسي في فشله هو أن خامنئي صاغه على افتراض أنه سيظل موجوداً لضبط تفاصيله بدقة، ولعب ورقته الرابحة عند الضرورة، وهي عرض الاستسلام مقابل البقاء. لكن مع رحيل خامنئي وغياب أي شخص قادر على ملء الفراغ، سنكون أمام «خيار شمشون دون شمشون».
يُضاف إلى ذلك حقيقة أن الاقتصاد الإيراني المتداعي لا يمكنه تحمل حرب طويلة. ولعل الأهم من ذلك، ربما، هو أن الصراعات الفصائلية -التي كانت لعنة النظام منذ نشأته- من المرجح أن تشتد؛ فبعض العسكريين يحلمون بالفعل بلعب دور «بونابرت» على الطريقة الإيرانية، فيما يرى بعض المعمَّمين أنفسهم «أئمةً» جدداً للنظام. فبعد ساعات فقط من تقديم آية الله علي رضا أعرافي أمام كاميرات التلفزيون على أنه «مرشد أعلى» محتمل، بدأ ملالي آخرون بالتذمر لكونه ليس من نسل الإمام علي، كونه يرتدي عمامة بيضاء بدلاً من العمامة السوداء التي يرتديها «السادة الشرفاء».
وقد صب آية الله أحمد خاتمي، نائب رئيس مجلس الخبراء، الماء البارد على طموحات أعرافي بقوله إن المجلس المكون من 88 عضواً لم يختر مرشداً جديداً بعد. وفي الوقت ذاته، تدرس الشخصيات المحيطة بالرئيس السابق حسن روحاني إنهاء الحرب عبر تلبية مطالب ترمب الرئيسية.