الصين والزعيم الأعلى الراسخ

الصين والزعيم الأعلى الراسخ

المغرب اليوم -

الصين والزعيم الأعلى الراسخ

أمير طاهري
بقلم : أمير طاهري

عندما تولى منصب زعيم الصين قبل عشر سنوات، رحّب الخبراء ووسائل الإعلام الغربية بالرئيس شي جينبينغ بوصفه الرجل الذي سيفتح الطريق أمام إصلاحات سياسية كبرى تعكس التحول الاقتصادي المتزايد للنمر الآسيوي الصاعد، حتى إن البعض رأوا فيه نسخة أكثر حكمة من ميخائيل غورباتشوف، وتكهنوا بأنه قد يتبنى رواية نهاية التاريخ بقبوله للديمقراطية بوصفها الخيار الوحيد لقوة صناعية حديثة.
لكن بعد مرور عقد من الزمان أصبحنا ندرك مدى خطأ التقييمات المبكرة للرئيس شي جينبينغ. ومع استعداده للمؤتمر الوطني القادم للحزب الشيوعي الصيني بدايةً من 16 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، فإن شي قد يكون موضعاً لسوء فهم آخر؛ إذ يُقدّم هذه المرة بوصفه حاكماً طموحاً يهدد حلمَه بالهيمنة العالمية النظامُ العالمي الهش القائم منذ نهاية الحرب الباردة.
قبل عشر سنوات، أقنع سوء الفهم بشأن شي الديمقراطيات الغربية، لا سيما الولايات المتحدة واليابان، بفتح كل باب طرقته الصين. ووفقاً لأفضل التقديرات منذ تولي شي السلطة العليا، فإن الاستثمارات الغربية، واليابانية، والتايوانية في الصين زادت بأكثر من الضِّعف، في حين أبرمت الجمهورية الصينية اتفاقيات تجارية لطيفة مع الاتحاد الأوروبي، واليابان، والولايات المتحدة، وأستراليا. على سبيل المثال، ارتفع الاستثمار الأميركي المباشر في الصين من 50 مليار دولار إلى 118 مليار دولار في عام 2021.
في الوقت نفسه، فُتحت الأسواق العالمية الكبرى أمام الشركات الصينية، فيما بدا كأنه صفقة جيدة ساهم الغرب واليابان فيها برأس المال والتكنولوجيا وساهمت الصين بالسلع المُصنعة الجيدة ذات الأسعار المنخفضة، في دائرة مفيدة ساعدت على ترويض وحش التضخم العالمي.
في الأثناء ذاتها، اعتُبر تبني شي لسرد جديد يستند إلى قراءة انتقائية لتعاليم كونفوشيوس بمثابة إشارة إلى الابتعاد عن الخطاب الشيوعي والنسخة الماوية منه.
وبينما كانت الصين حريصة على عدم الانخراط بالقدر الكافي في القضايا السياسية العالمية كانت أيضاً سبباً في دعم الافتراض بأن شي لن يُشكل أبداً تهديداً للنظام العالمي الخاضع لهيمنة الغرب. لم تُوجه الدعوة قط إلى الصين لحضور لقاءات مجموعة الدول السبع الكبرى، وإلى مجموعة الثماني، التي ضُمت إليها روسيا، لفترة من الوقت. لكن رُحب بها في مجموعة العشرين، المنتدى الحواري، بوصفها واحدة مما تسمى «بلدان البريك»، إلى جانب الكثير من «الدول الناشئة» الأخرى.
نعلم الآن أن شي ومستشاريه كانوا يخوضون مباراة طويلة على الطريقة الصينية. وتوجه الاستراتيجية الصينية الكلاسيكية الخطى في كل حيد أو ميل على الطريق. على عكس الاستراتيجيات الغربية، فإنك لا تسعى أبداً إلى تحقيق هدف ما بصورة علنية، ولا تهاجم الخصم وجهاً لوجه قط، بل تختار دوماً سبيلاً ملتوياً.
نصح نابليون دائماً بالتصويب إلى قلب الخصم فيما يتصل بالحرب الشاملة، بينما كان كوتوزوف، المارشال الروسي الذي هزمه عام 1812، يلتزم على الأرجح بنصيحة المفكر العسكري الصيني صن تزو بتجنب الهجوم القوي، وتوجيه الضربات الساحقة فقط حينما يكون الخصم في موقف ضعيف.
وعليه، فإن النظرية الزاعمة بأن شي يعد الصين لحرب ضد الولايات المتحدة، ظاهرياً بشأن تايوان، ربما تكون أقرب إلى سوء الفهم بقدر اعتباره لدى البعض بأنه مثل حمار «سانشو بانزا» لأي «دون كيشوت» أميركي!
والسيناريوهات الكابوسية المتنوعة والكتب المؤلفة حول تصادم العمالقة يمكن أن تكون مستندة إلى نفس سوء الفهم المذكور.
ما من شك أن شي يُسدل الستار على صفحة افتُتحت في عهد هوا كو فينغ واستمرت في عهد دينغ زياو بينغ كزعيم أعلى، ثم لي شيانيان، وجيانغ زيمين، وهو جينتاو كرئيس للبلاد، حاولت فيه الصين ونجحت في ترسيخ نفسها كدولة طبيعية تلعب وفقاً للقواعد لكنها تُطالب أيضاً بالاحترام.
ما يريده شي الآن هو الاحترام على الأقل للقضايا التي يرى أنها تشكل أهمية بالغة لموقفه بوصفه في مركز السلطة في بكين.
لا شك أن شي سوف ينال الولاية الثالثة كزعيم أعلى، يجمع بين منصبه كأمين عام للحزب، ومنصب رئيس جمهورية الشعب، ورئيس اللجنة العسكرية. بعد تغييره لدستور الحزب، لم يعد ملزماً بالتقاعد في سن 68، وقد يبلغ السبعين من عمره العام المقبل، وربما يظل في السلطة لعشرية كاملة قادمة.
ورغم ذلك، فإن الأمور قد لا تكون بالسهولة التي يأملها شي.
الحزب الشيوعي الصيني، الذي يبلغ عدد أعضائه 98 مليون نسمة، عامر بالشباب والنساء الطموحين الذين ينظرون إلى شي جينبينغ، وغيره من الزعماء في جيله من زعماء الحزب، بوصفهم «الأمراء الحُمر»، أبناء الرعيل الأول من الشيوعيين الذين يَدينون بريادتهم وصعودهم للمحاباة والمحسوبية.
ثم هناك الآلة العسكرية الصينية الضخمة والسريعة النمو التي تستهلك أكثر من 200 مليار دولار من دخل البلاد كل عام، وتضم عشرات الآلاف من الضباط الشباب والمتعلمين والطموحين، الذين قد لا يرون في شي، الرجل الذي ليست لديه خلفية عسكرية، الحاكم الوحيد على مصير الأمة.
من المؤكد أن شي حاول إحباط أي تهديد لسلطته من خلال تطهير أكثر من 170 ألفاً من كوادر الحزب على المستويات كافة، وهي ليلة أكبر من السكاكين الطويلة في التاريخ الشيوعي الصيني منذ كان ماو «قائد الدفة العظيم». كما أنه فرض «أفكاره» كجزء من دستور الحزب الشيوعي الصيني، ويأمل في المؤتمر القادم أن يسمى «زعيم الشعب» (بينين)، على قدر المساواة بالزعيم ماو.
إذا رأى أنه بإمكانه الخروج من هذا المأزق، فسوف يُطالب أيضاً بتثبيت صورته العملاقة إلى جوار صورة ماو في ميدان السلام السماوي في بكين.
الصين، التي يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 20 تريليون دولار، هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، حيث يقدر أن يبلغ عدد الطبقة المتوسطة أكثر من 300 مليون نسمة. وليس من المؤكد على الإطلاق أن هذه الطبقة المتوسطة المتنامية، التي تبنت أنماطاً من الاستهلاك وأساليب الحياة على الطراز الغربي، سوف تتحمل إلى الأبد «حكم الرجل الواحد» الذي يحاول شي ترسيخه.
يواجه شي مشكلتين أخريين؛ أولاً، من الواضح أن الاقتصاد الصيني يتباطأ مع ركود مئات الشركات، وإلغاء عشرات الآلاف من المشاريع، في حين يَلوح التضخم المُصاحب بالركود في الأفق.
ثانياً، ما يعده البعض فساداً منهجياً، فقد شن شي حملة واسعة النطاق لمكافحة الفساد، حتى إنه أصدر أحكاماً بالإعدام ضد بعض كبار الشخصيات في الحزب. لكنّ كثيرين في الصين يشككون في أنه يستخدم الحملة كغطاء لطرد المعارضين خارج الحزب.
قد يأتي تحقيق شي للسلطة الشخصية الكاملة في وقت يتسم فيه موقفه الحقيقي بالضعف. ومن عجيب المفارقات، أن هذا قد يكون خبراً سيئاً للجميع. ولصرف الانتباه عن ضعف موقفه ربما يُذعن شي لإغراءات استعراض العضلات على الساحة العالمية، بما قد يترتب على ذلك من عواقب يتعذر التنبؤ بها.
لكن حتى إن لم يفعل ذلك، فقد لا يتمكن من المساعدة في إعادة روسيا وأوروبا من استشراف حافة الهاوية عبر إنهاء الحرب في أوكرانيا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الصين والزعيم الأعلى الراسخ الصين والزعيم الأعلى الراسخ



GMT 11:34 2022 الإثنين ,04 تموز / يوليو

لا مبرر للبكاء على رائحة الحبر

GMT 10:02 2022 الجمعة ,01 تموز / يوليو

نموذج آية الله للعالم

GMT 10:36 2022 الخميس ,16 حزيران / يونيو

عن زمن الإنفلاش النووي

GMT 04:24 2022 الأحد ,13 شباط / فبراير

العنصر الصهيونيّ في الوعي الممانع

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل
المغرب اليوم - يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:07 2025 الخميس ,06 شباط / فبراير

تشو سائقاً احتياطياً في فيراري

GMT 08:31 2020 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مصرع محام بعد اندلاع حريق مهول ببيته في الجديدة

GMT 10:33 2020 الخميس ,21 أيار / مايو

لائحة بأفكار هدايا عروس مميزة

GMT 19:01 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

أحمد السقا ومها الصغير في قلب عاصفة الطلاق

GMT 16:15 2021 الأربعاء ,28 إبريل / نيسان

لهذه الأسباب أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة

GMT 12:43 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

مجيد بوقرة يبعث رسالة مؤثرة إلى صديقه حليش

GMT 09:47 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

قائمة نيويورك تايمز لأفضل الكتب الشعرية

GMT 16:10 2020 الخميس ,23 تموز / يوليو

تعرف علي أغنيات ألبوم مدحت صالح الجديد

GMT 02:09 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

معلومات عن مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي

GMT 01:50 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

"سامسونغ" تطلق هاتفًا بـ 4 كاميرات خلفية

GMT 04:00 2018 الخميس ,16 آب / أغسطس

خطوات بسيطة لوضع مكياج جرئ في العيد

GMT 05:08 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

قائمة أفضل الشخصيات المؤثرة في بريطانيا "ديبريتس"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib