رمضان والسياسة

رمضان والسياسة

المغرب اليوم -

رمضان والسياسة

عبدالله بن بجاد العتيبي
بقلم : عبدالله بن بجاد العتيبي

ليس للسياسة وقتٌ معينٌ ولا تاريخٌ محددٌ، فهي مع البشر وتحولاتهم ومع الإنسانية وتناقضاتها ومع الشعوب ومصالحها مثل ربان السفينة الماهر، الذي يحسن التعامل مع كل التموجات والتقلبات والتعرجات، ليضمن أن ترسو سفينته وطاقمها الموالي على بر الأمان والنجاح والتفوّق.

تلك هي السياسة القادرة على التقلب من أجل المصالح والتغير من أجل الأمن والتطور من أجل التنمية، وليست مثلها المواسم الدينية أو الشعائر التعبدية في الإسلام، كشهر رمضان المبارك أو الأشهر الحرم أو الحج أو غيرها من المواسم الدينية المحددة بوقتٍ معينٍ وفترةٍ محددةٍ، وهي لا تتغير ولا تتقلب ولا تتناقض، حيث إنها عباداتٌ تسعى لتأدية الشعائر وترقية الإيمان ورفعة الدرجات.

في العصر الحديث، فإنَّ المعركة التي انتصر فيها العرب على إسرائيل هي معركة مصر في «العاشر من رمضان»، التي كانت معركةً تاريخيةً بكل المقاييس، وهي المعركة التي تمت في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1973 وأصبحت يوماً للعزة والفخار الوطني في مصر، ورمزاً لإمكانية النصر على الرغم من الهزائم المتعددة، وأثبتت فعلياً أنَّ الحرب خدعةٌ كما صنع السادات وانتصر، وليست شعاراتٍ كما كانت في زمن قبله في 1967.

شُرع صيام رمضان في العام الثاني للهجرة المحمدية، وصار رابعَ أركان الإسلام، وحدثت فيه على طول التاريخ الإسلامي غزواتٌ وانتصاراتٌ، وتوسعٌ للدولة الجديدة قدّم نموذجاً لما جاء بعده في التاريخ، فغزوة بدرٍ كانت في رمضان، وفتح مكة كان في رمضان، وكذلك فتح مصر فيما بعد، وغير ذلك من الأحداث التي استمرت قروناً من الزمن.

اليوم في العالم الإسلامي، وفي العالم أجمع بات رمضان موسماً مع الحج ومع العمرة، كلٌ في وقته، موسماً لتأكيد وتوطيد الشرعية السياسية السعودية، من شرق الأرض إلى غربها ومن شمالها لجنوبها، حيث يتَّجه مليار ونصف مليار مسلم لمكةَ المكرمة في الصلاة المفروضة خمس مراتٍ في اليوم والليلة بالإضافة إلى النوافل، والسعودية هي بالإجماع قائدة الإسلام وهي رائدته وموجهة بوصلته، في تواريخ معلومة ومواقف مشهودةٍ منذ الدولة السعودية الأولى، وصولاً إلى الملك عبد العزيز والدولة السعودية الحديثة.

لقد كانت تعبيرات النصوص النبوية واضحةً في أن مكة والمدينة مهبطا الوحي ومهدا الرسالة ومنطلقا الإسلام، وجَعْل المدينة النبوية المأرز الذي يُلتجأ إليه في نهاية الزمان، وفي الحديث المتفق عليه «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جُحرها».

كل هذا وغيره يوضح ثقل المسؤولية الملقاة على عاتق الدولة السعودية في كثير من القضايا المهمة والحساسة، وهو ثقلٌ كبيرٌ ومسؤولية ضخمةٌ حملتها السعودية وستحملها لأنَّها تدرك حجم مسؤولياتها، وتدرك إمكاناتها في الوفاء بتلك المسؤولية، وخاصة فيما يتعلق بقضية فلسطين التي لم تنِ السعودية جهداً على مدى عقودٍ من الزمن، منذ النكبة وإلى اليوم، عن تقديم جميع أشكال الدعم المادي والمعنوي، والسعودية سعت بعقلانيةٍ وواقعيةٍ سياسيةٍ سابقةٍ لعصرها، وبكل جديةٍ لتبنّي حلول السلام مع إسرائيل، منذ «مشروع فهد» مطلع الثمانينات الميلادية حتى «المبادرة السعودية» للسلام التي أصبحت بعد الإجماع العربي تسمى «المبادرة العربية للسلام» بعد قمة بيروت 2002.

موقف السعودية واضحٌ اليوم كما كان واضحاً بالأمس، حلّ الدولتين، ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه، تبنّت هذا الموقف بكل عقلانية وبكل واقعيةٍ سياسيةٍ، ومن هنا فإنَّ أي محاولةٍ للضغط على الموقف السعودي لن تؤتي أكلها أبداً.

لقد رفضت السعودية بوضوحٍ أحداث السابع من أكتوبر، وسعت جهدها لتخفيف الحرب الإسرائيلية الوحشية على سكان غزة الذين تمّ رميهم نهباً للآلة العسكرية الإسرائيلية، وقدمت السعودية كل الدعم لأهالي غزة من قبل ومن بعد، وهي اليوم عضوٌ في «مجلس السلام بغزة» الذي تم تشكيله بناء على قرارٍ من مجلس الأمن، وهو مجلسٌ يسعى لفتح مستقبلٍ جديدٍ لغزة وسكانها وللقضية الفلسطينية برمتها.

كانت للخوارج المجرمين في القرون الأولى من الإسلام شِنعٌ مستنكرةٌ، وجرائم مستبشعةٌ كتب عنها مؤرخو الفرق الإسلامية مثل ابن حزمٍ والشهرستاني وغيرهما، ولكنّ شنع جماعات الإرهاب الحديث والمعاصر على الرغم من أنَّها تشبهها في الشناعة، لكنها ربما تفوّقت عليها في البشاعة والتوحش، لأنها تستخدم الأدوات الحديثة والمخترعات الإنسانية الجديدة، وكذلك تفوّقت عليها في حجم التنظير الطويل والعريض لجعل تلك الشنع والبشاعات والتوحش أمراً دينياً مستساغاً.

أخيراً، فإنَّ للتاريخ دروساً من لم يستوعبها فسيحسب أن التاريخ يعيد نفسه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رمضان والسياسة رمضان والسياسة



GMT 22:12 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

النفط ضاحكاً

GMT 22:07 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

فكرة «الناتو الخليجي»

GMT 22:05 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

هل يعيش لبنان الآن فرصته الأخيرة؟

GMT 21:58 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

تأمّلات في الحالة اللبنانيّة الراهنة

GMT 21:51 2026 الأحد ,15 آذار/ مارس

الرسام وراءك

GMT 02:04 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

«فوضى الحواس»

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 01:58 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

سجن السياسة في الآيديولوجيا

إطلالات النجمات بالأسود في رمضان أناقة كلاسيكية تخطف الأنظار

أبوظبي - المغرب اليوم

GMT 12:22 2012 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

رحلة إلى العصور الوسطى في بروغ البلجيكية

GMT 16:57 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

حذار النزاعات والمواجهات وانتبه للتفاصيل

GMT 14:27 2019 الإثنين ,02 كانون الأول / ديسمبر

أبرز الأحداث اليوميّة لمواليد برج"الثور" في كانون الأول 2019

GMT 11:38 2023 الإثنين ,30 كانون الثاني / يناير

أفضل الأماكن لقضاء شهر العسل في آذار لأجواء رومانسية ساحرة

GMT 03:44 2021 الإثنين ,03 أيار / مايو

نصائح للتسوق في خان الخليلي

GMT 10:55 2020 السبت ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

سعد موفق وسارة بيرلس يُشاركان في فيلم حب يصدُر قريبًا

GMT 10:18 2019 الثلاثاء ,24 كانون الأول / ديسمبر

تعيين خافيير تيباس رئيسًا رسميًا لرابطة "الليغا" حتى 2023
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib