«صعود التوحد» والطبّ «يتفرج»

«صعود التوحد»... والطبّ «يتفرج»

المغرب اليوم -

«صعود التوحد» والطبّ «يتفرج»

بقلم:د. آمال موسى

اقتبسنا توصيف التوحد من عنوان كتاب البريطانية المختصة في الطبّ النفسي، جيني راسل، التي كتبت منذ سنوات قليلة كتاباً يحمل عنوان «صعود التوحد».

وفي هذا السياق نشير إلى أن ظاهرة «طيف التّوحد» تصيب الأطفال، وتتمظهر في خلل يؤثر على التواصل اللفظي وغير اللفظي وعلى التفاعل والسلوك، وهي وإن كانت عالمية؛ إلا إن الدول التي تشهد إصابات أكثر من غيرها هي الدول العربية، وبريطانيا، وبشكل أقل بقية الدول الأوروبية.

كما نوضح أن بحث الطبيبة البريطانية، التي درست مسار ظاهرة التوحد في بلادها على امتداد 20 عاماً، منذ 1998 إلى 2018، انتهى إلى استنتاج تضاعُف عدد الإصابات بالتوحد في صفوف الأطفال البريطانيين 8 مرات؛ مما قادها إلى تأكيد «الخط التصاعدي»، وهو استنتاج يتماهى مع «صعود التوحد» عالمياً وازدياد انتشاره. وهذا يعني أن المشكلة بصدد التوسع، وأن المواجهة لا تزال ضعيفة جداً.

إن «صعود التوحد» بأنواعه المتعددة؛ بدءاً من «طيف التوحد»؛ وصولاً إلى «التوحد العميق»، تدل عليه الأرقام وتحسم فيه: في سنة 2021 كان الحديث عن إصابة واحدة بين كل 127 طفلاً، وفي سنة 2023 بلغ المعدلُ إصابةً واحدة بين كل مائة طفل. أما حالياً، فالتصاعد، وفق دراسات صارمة، سريعُ جداً، حتى وصل إلى حالة بين كل 50 طفلاً.

إذن الصعود مثبت؛ سواء من «منظمة الصحة العالمية»، ومن مراكز الأبحاث المختصة والجادة؛ مما يفند وجهة النظر التي تتبنى فكرة أن «الوعي» بظاهرة التوحد هو الذي ازداد وليس «عدد المصابين» به. وسعيُ الهيئات الأممية إلى إدراج هذه الظاهرة ضمن «التنوع العصبي للإنسان»، والتركيز على كيفية دمج هؤلاء الأطفال في المجتمع وجعلهم فاعلين وأصحاب أدوار اجتماعية كاملة، لا شك في أنه مقاربة إنسانية لا بد من دعمها، مع توفير شروط الدمج الحقيقية. من المهم أن نطرح السؤال التالي: أين وصلت النخب الطبية في تحديد أسبابِ الإصابة بالتوحد من جهة؛ وأسبابِ توسعها من جهة أخرى؟

نطرح هذا السؤال لأن رئيس «منظمة الصحة العالمية» قال العام الماضي، بكل وضوح وصراحة؛ إننا لا نعرف أسباب مرض التوحد. وهذه عقبة تحول دون تأمين الوقاية من هذا المرض.

يمكن القول إننا لم نتجاوز توصيف المرض، وإن هناك غموضاً طبياً حقيقياً باعتبار أن الأطباء لم يفهموا بعدُ أسباب الإصابة بالتوحد. وهذا يعني أننا أمام عائق يمنع حدوث المرافقة الطبية الناجعة، وتأمين الوقاية؛ ما دامت الأسباب «مجهولة» أو «غير مؤكدة طبياً». غير أنه قد ظهر بعض «التفسيرات»، مثل الارتباط بين لقاحات الطفولة والإصابة بالتوحد. وقد أثبتت أبحاث منشورة لأحد الأطباء وجود رابط قوي بين اللقاحات المضادة للحصبة والإصابة بالمرض، لكنها سرعان ما فُنّدت، ووصل الأمر إلى سحب الرخصة الطبية من الطبيب صاحب هذه النتيجة.

أيضاً لم يؤكَّد نفي الفرضيات التي تقول بوجود علاقة سببية بين التعرض لأدوية «أسيتامينوفين» و«باراسيتامول» والتوحد.

في المقابل، لا ننكر وجود بعض الاستنتاجات المساعدة على توصيف المرض، مثل أنه يصيب الذكور أكثر 4 مرات مقارنة بالإناث. كذلك هناك إجماع على أهمية السبب الجيني في ظهور التوحد لدى الطفل. لكن باستثناء هذه المعلومات، فإنه ظل لغزاً ووجعاً لملايين الأطفال والأسر.

ما نريد أن نلح عليه من خلال إظهار ضعف مواجهة التوحد طبياً، هو ضرورة الاشتغال أكثر على هذا المرض؛ وقايةً وعلاجاً، والاستثمار؛ مالاً وجهداً، من أجل التحديد في الأسابيع الأولى من الحمل ما إذا كان الجنين سيكون طفلاً متوحداً بعد الولادة أم لا؟

الدمج في المجتمع حق لأطفال التوحد لا نقاش فيه، بما يستلزمه من رفع تكلفة التعامل معه عن كاهل الأسرة لتتحملها الدول والمجموعات الوطنية.

دمج المتوحدين أولاً في التعليم مع تخصيص أطر تربوية ملائمة لاحتياجاتهم، من شأنه مساعدتهم على الاندماج اجتماعياً. هناك محاولات من القطاع الخاص؛ بحضور محتشم، لتأمين هذه الخدمة، لكن بمقابل ليس في متناول كل الأسر.

المطلوب من أجهزة الدول ومن المجموعات الوطنية الاعتراف بحقوق المصابين بالتوحد، وتوفير البنية التحتية التربوية لخدمة هذه الفئة؛ فلا دمج دون التركيز على البعد التربوي.

«صعود التوحد» في مجتمعاتنا ناتج عن سلبية في مواجهة المرض؛ من حيث العمل على إيجاد الحلول والعلاج وخفض عدد المصابين به.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«صعود التوحد» والطبّ «يتفرج» «صعود التوحد» والطبّ «يتفرج»



GMT 03:13 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

آدم.. النبوي.. العيلي!

GMT 03:05 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

آدم.. النبوي.. العيلي!

GMT 03:02 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

اليوم التالى فى الخليج

GMT 02:57 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مواعيد الحصاد

GMT 02:55 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

الجامعة العربية و«الناتو»... عاشا أم ماتا؟

GMT 02:52 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

حربٌ ضلت طريقها

GMT 02:51 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

نواف سلام واعتداله... بين يمينَين

GMT 02:30 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

عن الأيام الصعبة القادمة

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 14:04 2026 الخميس ,02 إبريل / نيسان

الكشف عن اللغز الجيني وراء الإصابة بالتوحد
المغرب اليوم - الكشف عن اللغز الجيني وراء الإصابة بالتوحد

GMT 14:23 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

حسين فهمي بطل للفيلم الصينى The Story I Found In china
المغرب اليوم - حسين فهمي بطل للفيلم الصينى The Story I Found In china

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 07:39 2026 الثلاثاء ,17 شباط / فبراير

استعدي لرمضان بخطة تنظيف المنزل الشاملة

GMT 15:48 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتسرّع في خوض مغامرة مهنية قبل أن تتأكد من دقة معلوماتك

GMT 01:52 2021 الإثنين ,04 تشرين الأول / أكتوبر

أجمل الأماكن السياحية لقضاء شهر العسل في اسبانيا

GMT 19:04 2023 الثلاثاء ,10 كانون الثاني / يناير

الصين تُعلن عن نجاح أول عملية إطلاق إلى الفضاء في عام 2023

GMT 12:23 2020 الجمعة ,17 إبريل / نيسان

كلير وايت كيلير تودّع دار جينفشي

GMT 22:12 2017 الثلاثاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

النجم دروغبا يخطط لاعتزال كرة القدم خلال العام المقبل

GMT 23:27 2022 الجمعة ,07 تشرين الأول / أكتوبر

الصين والزعيم الأعلى الراسخ

GMT 19:43 2022 الأربعاء ,16 شباط / فبراير

الجيش الملكي يتلقى ضربة موجعة بعد إصابة لاعب مميز
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib