مناخ شجاع ومعتدل للاستثمار

مناخ شجاع ومعتدل للاستثمار

المغرب اليوم -

مناخ شجاع ومعتدل للاستثمار

د. آمال موسى
بقلم - د. آمال موسى

لم نختر لتبليغ فكرتنا مجازاً إلا المناخ المعتدل، واستثنينا من ذلك المناخات الأربعة الأخرى؛ الاستوائي والقاري والقطبي والجاف. فالمناخ المعتدل هو أفضل المناخات، ويتميز بصيف معتدل الحرارة وشتاء معتدل البرودة.

وليس جديداً توظيف مدلولات المناخ في الخطاب الاقتصادي؛ حيث نلاحظ في السنوات الأخيرة ارتباط الحديث عن الاستثمار بما يُسمى مناخ الاستثمار، وطبعاً فإن المقصود ليس المناخ الذي يُحدده الموقع الجغرافي في الأرض، بل إن كلمة المناخ اختيرت قصداً لبلاغتها، وكي تختصر إطاراً كاملاً من تشريعات وامتيازات وتسهيلات تخلق بعضها مع بعض مناخاً جاذباً للاستثمار والمستثمرين.

ما يلفت الانتباه أن توفير المناخ الصالح للاستثمار ما زال يعرف شدّاً وجذباً في غالبية بلداننا، ومردّ هذا التردد والاكتفاء بخطوات حذرة هو استمرار الارتهان لفهم قديم لمجال سلطة الدولة في الاقتصادات الوطنية، وأيضاً عدم الثقة بالقطاع الخاص، وتسليمه المقود لتشغيل قطارات التنمية.

أولاً، سياسة المراحل والخطوات البطيئة في المطلق هي سياسة جيدة وحكيمة، ولكن مقاربة الاستثمار لا ينفع فيها السير البطيء، فإما رهان حقيقي وحزمة من التشجيعات والتشريعات الضامنة لحسن سير عملية الاستثمار وإما أن النزر القليل هو تنازلات لا طائل من ورائها. ولنتذكر في هذا الصدد أن أصحاب المال يخافون على أموالهم، ويتميزون بالجبن الذي لا يقاوم إلا بالإغراءات والتشجيعات.

فالسؤال البسيط والكبير الذي يجب أن تطرحه أي دولة تنوي فعلاً تحقيق نهضة اقتصادية هو الآتي: هل تستطيع اعتماداً على ميزانياتها تحريك عجلة الاقتصاد ومواجهة كل التوقعات والنفقات وحاجات شعبها أم أنها مثلها كمثل أي دولة في العالم تحتاج لبناء اقتصاد قوي إلى القطاع الخاص ومستثمرين من الداخل والخارج؟

إن الإجابة الواضحة والصريحة عن هذا السؤال هي التي ستُحدد كيفية تصرف الدولة.

لقد فهمت الدول القوية اقتصادياً هذا الشرط منذ عقود طويلة، ومنها منذ قرون، وأسست لتوزيع عبء تحقيق الثروة وأدوارها، فخففت عن كاهلها، واكتفت بتأطير مناخ الاستثمار ومراقبته وفق أمنها القومي وعائداته على الدولة.

مضى الزمن الذي تقوم فيه الدولة بكل شيء: لم تعد حاجة الناس القمحَ وكفى، بل حاجات الشعوب اليوم لا حد لها، وتلبيتها تحتاج إلى توزيع الأدوار بين القطاعين العام والخاص، لينتجا الثروة، ويُشغّلا عدداً كبيراً من العمال والموظفين والكفاءات. بل إن العالم المتقدم لم يكتفِ بالخصخصة فقط؛ حيث أقحم المؤسسات الكبرى الخاصة في معاضدته في النهضة الاجتماعية والاهتمام بالفئات الهشة، بل أيضاً في تشجيع الفكر والإبداع والمنتوجات الثقافية من خلال ما يسمى المسؤولية الاجتماعية، حتى صار الأداء في مجال المسؤولية الاجتماعية مؤشر تقويم رئيسياً للمؤسسات والشركات الكبرى.

على مستوى الخطابات السياسية الرسمية هناك اعتبار وإدراك لدور الاستثمار والمستثمرين الوطنيين والأجانب، ولكن هذا الإدراك يعوزه توفير المناخ الملائم للاستثمار، أي أننا نريد الاستثمار ولكن من دون أن نضحي بتحفيزات حقيقية وتشريعات تفتح الباب على مصراعيه للمستثمرين في بلداننا العربية والإسلامية. لا شيء يجعل المستثمر يضع أمواله ويجلب التجهيزات ويوظف العمال وهو مثقل الكاهل بالجباية والرسوم وتدني ثقافة حبّ العمل.

عقل الدولة يعتقد أن تقديم هذه الامتيازات سينعكس سلباً على موارد الميزانية العامة للدولة، ولكن هذا العقل يجب أن يشطب هذه الطريقة في التفكير، ويستعمل الرياضيات بشكل صحيح؛ فالدولة بتوفير مناخ جاذب وتنافسي للاستثمار تُحافظ على رؤوس الأموال الوطنية حتى لا تفكر في الاستثمار خارج بلدها، ومن جهة ثانية فالدولة ستزيح عن مشكلاتها عدداً من العاطلين عن العمل، وهو أكبر ربح تستند إليه كبرى الاقتصادات في العالم؛ حيث عدد العاملين في مؤسسات الدولة هزيل جداً مقارنة بعدد المنتمين للقطاع الخاص. وطبعاً الأهم من كل هذا أو خلاصته هي الناتج الوطني ونسبة النمو الاقتصادي.

إن أقوى ما في الاستثمار أنه عجلة تحرك الاقتصاد وتبعده عن سيناريوهات الشلل.

يحتاج الأمر إلى حساب دقيق تدرك فيه الدولة ماذا ستفقد في اللحظة الراهنة، وكم ستكسب في المدى القريب. وإذا كان صاحب المال جباناً للاستثمار، فإن على الدولة أن تكون شجاعة وتوفر أفضل مناخ للاستثمار. فالسباق اليوم بين الدول يكمن في أي دولة تقدم مناخاً أكثر ملاءمة وتشجيعاً للاستثمار وجذباً لأصحاب رؤوس الأموال.

وأكبر ما يمكن أن تقوم به أجهزة الدول في عالمنا العربي اليوم هو توفير المرافق العامة وحماية الثروات الطبيعية والاستثمار فيها، وفتح المجال لهويات متعددة من الفاعلين الاقتصاديين لإنتاج الثروة، والدولة الذكية هي التي تُدير عملية إنتاج الثروة بينها وبين القطاع الخاص، وتكون أكثر الأطراف ربحاً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مناخ شجاع ومعتدل للاستثمار مناخ شجاع ومعتدل للاستثمار



GMT 06:26 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

ملفات منتحر

GMT 06:22 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

ليبيا... سيف القبيلة وغصنها

GMT 06:10 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

الولايات المتحدة وإيران... العودة من الحافة

GMT 06:07 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

قراءة في اغتيال سيف الإسلام القذافي

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 18:39 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

يبشّر هذا اليوم بفترة مليئة بالمستجدات

GMT 12:22 2012 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

رحلة إلى العصور الوسطى في بروغ البلجيكية

GMT 08:03 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

لن يصلك شيء على طبق من فضة هذا الشهر

GMT 07:11 2025 الجمعة ,17 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 17 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 17:27 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

يحالفك الحظ في الايام الأولى من الشهر

GMT 06:47 2018 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

أحمد سعد يرفض الظهور في "مساء dmc" بسبب 250 ألف جنيه

GMT 00:15 2020 الجمعة ,23 تشرين الأول / أكتوبر

"الجفاف" يستنزف خزانات المياه ويعصف بالمزارعين في المغرب

GMT 09:08 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

الوداد يعير المترجي لشباب المحمدية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib