إسرائيل الاعتراف الملغوم

إسرائيل... الاعتراف الملغوم

المغرب اليوم -

إسرائيل الاعتراف الملغوم

آمال موسى
بقلم : د آمال موسى

يمكن القول إنّ إسرائيل مدرسة في زرع الخوف والقلق والإرباك، خصوصاً تحويل وجهة الرأي العام؛ لكي تُعِدَّ وجبتها للأعداء في عتمة كاملة. وهذا ما تحاول فعله حالياً بخطوتها المربكة ذات الدّلالات الواضحة والغامضة كذلك، المتمثلة في اعترافها بأرض الصومال وتوقيع اتفاقية تعاون معها.

لا شك في أننا أمام تكتيك سياسي خطير وملغوم... فأن تكون إسرائيل الدولة الوحيدة التي اعترفت بأرض الصومال، وأن تكون جمهورية الصومال عضواً في جامعة الدول العربية؛ فالأمر باختصار عملية خلط أوراق وإرباك وجس نبض... وربما أكثر من ذلك بكثير.

وطبعاً لا يمكن أن يكون هذا الاعتراف فقط من أجل استفزاز الدول العربية والإسلامية، بقدر ما أنه اعترافٌ مُوجَّه يخدم مصالح إسرائيل أو يلبي جزءاً من مخططاتها بالمنطقة، وفي المقام الأول قطاع غزة.

يتطلب فهم أبعاد هذا الاعتراف وما يخفيه ربطه - أي الاعتراف - بحالة الجمود الراهنة في ملف إعمار غزة الذي يتطلب أموالاً واستقراراً ومصداقية. وفي السياسة لا شيء مجانياً، والهدف الأساسي من وراء حرب إسرائيل على غزة طيلة سنتين من الدمار والقتل إنما هو تهجير الفلسطينيين من غزة والتوسع فيها بالاستيطان، بدليل أن عمليات الاستيطان ما زالت متواصلة وفق شعار إسرائيل المعلن: «مع مقتل كل إسرائيلي تخسرون الأرض». إنه القانون الإسرائيلي المتجاوز كل القوانين الدولية.

في هذا السياق نفهم قوة الربط بين الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، والمسكوت عنه بشأن نية تهجير الفلسطينيين إلى هناك... إضافة إلى التعويل على البرد القارس في هذا الشتاء كي يتغلغل الشعور بأن غزة المدمَّرة ليست للعيش.

لنوضح أكثر: تنص الخطة الإسرائيلية - الأميركية على إفراغ قطاع غزة من سكانه. هذا القرار ليس جديداً؛ بل هو الأساسي. ومن أجل الانطلاق في تنفيذه، كانت الحرب الشرسة ضد غزة بوصف أن الحرب هي التي ستؤطر مشروع التهجير وتبني أسسه؛ المتمثلة أولاً في تحويل غزة إلى أرض مدمَّرة دون مرافق ليكون العيش فيها مستحيلاً على المدى البعيد. الوظيفة الثانية للحرب هي تقليص الحجم الديموغرافي لسكان غزة عبر قتل آلاف الأطفال والنساء، بل وعائلات بأكملها، وهذا ما وقع تحت أنظار العالم، ورغم «احتجاجه»، مع ضعف مؤسساته الدولية.

لذلك؛ فإن اتفاق إيقاف الحرب في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي هو في الحقيقة موعد استكمال الحرب للأهداف التي شُنّت من أجلها... وهكذا يكون رد إسرائيل على خطوة «حماس» أكبر بكثير من الفعل نفسه؛ لأن خطوة «حماس» ليست أكثر من علّة كانت تحتاجها إسرائيل لإعلان «لحظة الصفر» لانطلاق مشروع تهيئة غزة لتكون من دون فلسطينيين. وهكذا نفهم أيضاً لماذا أنفقت إسرائيل على الحرب ضد غزة من دون هوادة، ولماذا تجاهلت كل دعوات العالم إلى الوقف الفوري للحرب، واستمرت رغم كل الانتقادات والتهديدات؛ التي وصلت إلى حدّ صدور قرار ضدها من مجلس الأمن... بل إن تعنتها قاد دولاً مهمة عدّة إلى الاعتراف بفلسطين؛ مما زاد من هلعها... كما تأكدت أن تهجير أهالي غزة وحده هو الذي سيقضي على «الكابوس الفلسطيني» الذي تعيشه.

كل هذا لم يكن مجرد فورة غضب على ما قامت به «حماس»، فنحن أمام مخطط توسع اقتصادي يختلف عن عمليات التوسع التاريخية، حيث إن الاستعمار كان عنوان التوسع الاقتصادي للدول التي احتلت غيرها، أما المثال الإسرائيلي في احتلاله فلسطين، فإنه ابتكر التهجير القسري لتحقيق الأمن النهائي للإسرائيليين، وفي الوقت نفسه حصول الولايات المتحدة على مقابل دعمها إسرائيل وما خسرته بسبب هذا الدعم داخلياً وخارجياً، والمقابل، كما يراه البيت الأبيض في المرحلة الراهنة، اقتصادي محض.

بالنسبة إلى إسرائيل، فإن خيار الدولتين لا يلبي لها طموحها ولن يضمن لها الشعور بالأمن؛ لذلك كان التحرك بأقصى سرعة وأقسى مخطط؛ أي التهجير القسري.

وفي هذا السياق، فإن صمت الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال لا يمكن عَدُّه رفضاً بقدر ما أنه توزيع تدريجي للأدوار.

ونعتقد أنه لو وافقت مصر والمملكة الأردنية على دعوة الولايات المتحدة إلى استقبال أهالي غزة، وقبلتا بالتهجير المقنّع، ورضختا تحت ضغط جَزَرَة المساعدات، لما اعترفت إسرائيل بأرض الصومال، التي ستكون، على ما يبدو، بديلاً لمصر والأردن؛ مما يعني أن تلك الدعوة جزء من مخطط الحرب. وباعتبار الرفض الذي جوبهت به، فإنه أُجريَ تغيير بسيط، هو تغيير وجهة الاستقبال، لتكون أرض الصومال، وفق معادلةِ «الاعتراف مقابل خدمات تخص ملف غزة».

لنعترف أنها خطة لئيمة جداً. إن رفض البلدان العربية والإسلامية ظل على حاله، فالرفض كان لفكرة التهجير من جذورها، وليس رفض استقبال الفلسطينيين بذواتهم. وكما نرى، فإنّ الوضع الفلسطيني من تعقيد إلى تعقيد أشد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إسرائيل الاعتراف الملغوم إسرائيل الاعتراف الملغوم



GMT 01:54 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

يا عزيزي إنها الحياة!

GMT 01:51 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

نظام جديد.. مفردات جديدة

GMT 01:49 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

تأملات في بيت الأمة!

GMT 01:43 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

أرض الصومال وتمزيق الأصل

GMT 01:41 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

الحَبكة تظل أميركية في ثالث أيام السنة

GMT 01:39 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

ترام الإسكندرية المحروسة

GMT 01:37 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

نهاية حضارة

GMT 01:34 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

ألف يوم على حرب السودان: كيف نمنع تكرار المأساة؟

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي - المغرب اليوم

GMT 20:03 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

ترامب يؤكد روسيا والصين لا تخشيان الناتو بدون أميركا
المغرب اليوم - ترامب يؤكد روسيا والصين لا تخشيان الناتو بدون أميركا

GMT 14:33 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج
المغرب اليوم - نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج

GMT 00:00 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

أرتال قوات درع الوطن تصل إلى عدن اليمنية
المغرب اليوم - أرتال قوات درع الوطن تصل إلى عدن اليمنية

GMT 23:26 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

التايمز تكشف سيناريوهات السيطرة الأميركية على غرينلاند
المغرب اليوم - التايمز تكشف سيناريوهات السيطرة الأميركية على غرينلاند

GMT 14:58 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

9 أطعمة يمكنك تناولها بحرية دون الخوف من زيادة الوزن
المغرب اليوم - 9 أطعمة يمكنك تناولها بحرية دون الخوف من زيادة الوزن

GMT 00:35 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

وزير يمني يعتبر فرار عيدروس الزبيدي عن الرياض نكث للعهود
المغرب اليوم - وزير يمني يعتبر فرار عيدروس الزبيدي عن الرياض نكث للعهود

GMT 20:58 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور إيجابية خلال هذا الشهر

GMT 03:04 2015 الجمعة ,04 كانون الأول / ديسمبر

انتقال كوكب الحب إلى برج العقرب المائي في كانون الأول

GMT 00:45 2019 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

المطربة سميرة سعيد تغني تتر مسلسل مغربي للمرة الأولى

GMT 20:53 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تبحث أمراً مالياً وتركز على بعض الاستثمارات

GMT 12:42 2017 الإثنين ,05 حزيران / يونيو

اللاعب نذير بلحاج ينضم إلى السيلية القطري

GMT 04:06 2021 الثلاثاء ,04 أيار / مايو

البوسنة والهرسك وجهة السياحة في رمضان

GMT 17:26 2019 الإثنين ,23 كانون الأول / ديسمبر

زياش يحصد ثمار تألقه بعد سحق إيدو دين هاغ بـ6 أهداف

GMT 07:00 2015 الجمعة ,30 تشرين الأول / أكتوبر

معارك شرسة في لندن حول خطة بناء مسجد أكبر من الكاتدرائية

GMT 10:07 2022 الثلاثاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

العراق لرفع الطاقة الإنتاجية لغاز البصرة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib