حجج التدخّل في إيران وحجج عدم التدخّل

حجج التدخّل في إيران وحجج عدم التدخّل

المغرب اليوم -

حجج التدخّل في إيران وحجج عدم التدخّل

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

عند تناولهم المسألة الإيرانيّة وعلاجها، يرى البعض أنّ حدثين كبيرين من الماضي يستحقّان أن يرشدا سلوك الحاضر.

أمّا الأوّل فالانقلاب الذي أطاح حكومة مصدّق في 1953. يومذاك التقى العداء البريطانيّ لتأميم النفط وانهجاس أميركا بـ«الخطر الشيوعيّ» في بدايات الحرب الباردة، فهندسا إزاحة الحكومة المنتخبة ديمقراطيّاً، والتي كانت، مع هذا، تتصرّف بارتجال وتعثّر.

وكان ممّا عُرف وشاع أنّ الشاه لم يعد إلى طهران من مكان إقامته في روما إلاّ مصحوباً بألَن دالاس، مدير وكالة الاستخبارات المركزيّة.

والمصدّقيّة، بالطبع، ليست الخمينيّة. فالأولى كان أكثرُ ما أضعفها انشقاق التيّار الإسلاميّ عنها، واختياره مناهضتها، وكان آية الله الكاشاني يقود التيّار المذكور. والتحوّل هذا هو ما دفع مصدّق إلى تعويض الخسارة بتوطيد التحالف مع حزب تودة الشيوعيّ، ما فاقم المخاوف الأميركيّة من «شيوعيّة» مصدّق. لكنْ بعد عقدين ونصف العقد استأنفت الخمينيّةُ العداء لبقايا المصدّقيّين ممّن حالفتهم في بدايات الثورة. وابتداءً باستقالة حكومة المهدي بازركان بعد أشهر على تشكيلها، وهي كانت حكومة الثورة الأولى، توزّعت حظوظ المصدقيّين ما بين قتل وسجن وتهميش.

على رغم ذلك ترسّخت إطاحة مصدّق رضّةً عميقة ابتلي بها الوعي السياسيّ الإيرانيّ واشتركت في استدخالها قطاعات عدّة لا يجمع بينها إلاّ القليل.

وأمّا الحدث الكبير الثاني فكان هجوم صدّام حسين على إيران أواخر صيف 1980، لتستمرّ الحرب ثماني سنوات بكلفة بشريّة تتعدّى المليون قتيل، وكلفة ماليّة تتجاوز الـ400 مليار دولار، وهذا دون أن يحقّق أيّ من الطرفين نصراً حاسماً.

وكانت المفارقة أنّ الحرب صلّبت مواقع النظامين المتحاربين. فصدّام، المتلهّف إلى استعادة أراضي شطّ العرب التي خسرها العراق لإيران بموجب اتّفاقيّة الجزائر عام 1975، تمكّن من سحق الحركة الشيعيّة الأصوليّة المناوئة لسلطة «البعث»، وفي هذا السياق جاء إعدام محمّد باقر الصدر، كما سحقَ معارضيه داخل البعث نفسه، على ما دلّت تصفيات قاعة الخلد بُعيد تسلّمه الرئاسة. أمّا السلطة الإيرانيّة فاستقبلت الحربَ عليها بوصفها الفرصة المنتظَرة للانتقال إلى حكم الحزب الواحد والتخلّص من رفاق طريق اضطراريّين كالمصدقيّين والشيوعيّين، فضلاً عن كسر انتفاضات قوميّة ومناطقيّة كالتي أعلنها مسلّحو خوزستان (عربستان) وكردستان الإيرانيّة.

وهكذا فما يجمع بين الحدثين التدخّليّين قدرتهما على توحيد جسد مفتّت زاده الحكم الخمينيّ، الذي انقضى على وجوده أقلّ قليلاً من نصف قرن، تفتّتاً.

في المقابل بات إيرانيّون كثيرون، لا سيّما وقد تعرّضوا لقمع غير مسبوق، يرون في التدخّل الخارجيّ حلاًّ مطلوباً إن لم يكن حلاًّ أوحد، وهو ما يضاعف إلحاحَه أنّ التفكّك شرع يضرب كتلة النظام نفسها. وهنا تبادرنا حجج لا تعوزها الوجاهة يتصدّرها إلحاح وقف القتل، وقطع رأس «محور الممانعة» بدل الاكتفاء ببتر أطرافه، وعجز المعارضين عن إزاحة نظام يمارس العنف المفرط. وقد نضيف ما تأمر به التجارب التاريخيّة من أنّ مجتمعات «الاستبداد الشرقيّ» يصعب أن تثور طلباً للحرّيّة، فإذا فعلتْ، في القليل النادر، كان من المستبعَد أن تنجح.

بيد أنّ هناك أسباباً للتحفّظ على سيناريو التدخّل تتعدّى عِبَر التجربتين التاريخيّتين لمصدّق وللحرب مع العراق. فالفرس، في إيران، يشكّلون أقلّ من نصف السكّان، والعلاقات ليست على ما يرام مع القوميّات الأذريّة والبلوشيّة والكرديّة والعربيّة وسواها. وهذا رغم نجاح إيران تقليديّاً، ونسبيّاً، في تصليب مركز وطنيّ تنشدّ الأطراف إليه. وأغلب الظنّ، وعملاً بعديد الحالات المشابهة، أنّ نظاماً كالنظام القائم يهلهل وحدة النسيج الوطنيّ أكثر ممّا يقوّيه. ويُرجّح لعناصر كهذه أن تصبغ التغيير الإيرانيّ، خصوصاً في حال اقترانه بتدخّل خارجيّ، بالحرب الأهليّة، لا سيّما في الزمن الراهن حيث تستولي الهويّات المهتاجة على الأفق. فأيّة أفاعٍ يمكن أن تخرج من صندوق باندورا كهذا فتُسمّم إيران والمنطقة والعالم على شكل موجات لجوء ونزوح مليونيّة، في ظلّ انكماش الموارد، وأيضاً على هيئة إرهاب وتهريب مخدّرات وانتشار ما قد يتوافر من يورانيوم مخصّب وأسلحة جرثوميّة وكيماويّة سهر النظام الحاليّ على تعهّده ورعايته.

وللتذكير فنحن نتحدّث عن بلد يقطنه 93 مليوناً فوق مساحة تقارب المليون والـ650 ألف كلم2، أي ما يفوق مجموع مساحات فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا والبرتغال، فيما تحدّه باكستان وأفغانستان وتركمانستان وأذربيجان وأرمينيا وتركيّا والعراق، ولا تفصله إلاّ مياه الخليج عن دول الخليج العربيّة، من دون أن يكون بعيداً من جنوب غربي روسيا.

فوق هذا، لا توجد معارضة موحّدة للنظام، وإذا استثنينا الحديث عن النفط وعن عودة ابن الشاه المدلّل، وربّما غداً عن ريفييرات كثيرات، لا يظهر أيّ مشروع بديل متبلور ولو في حدّه الأدنى.

وما من شكّ في أنّ النظام يبتزّ ويهوّل بالكوارث، بدل أن يقطع الطريق عليها بتقديم تنازلات فعليّة لشعبه أوّلاً وللعالم ثانياً. لكنّ القول بالتدخّل مع الاحتمالات المقلقة التي قد تلازمه، والتي تجعل التدخّل في العراق وأفغانستان أشبه بنجاح خالص، تستوجب العَدّ، لا إلى العشرة بل إلى الألف.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حجج التدخّل في إيران وحجج عدم التدخّل حجج التدخّل في إيران وحجج عدم التدخّل



GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:28 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:26 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:23 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 07:24 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
المغرب اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib