عن الحرب والنظر إلى العالم

عن الحرب والنظر إلى العالم...

المغرب اليوم -

عن الحرب والنظر إلى العالم

حازم صاغية
بقلم - حازم صاغية

نادراً ما كانت الأمور على هذا النحو، ونادراً في التاريخ ما أحسّ طرف ما بأنّ الحرب في مواجهة العالم كلّه شرط بقائه وانتصاره. فالنيران الإيرانيّة، وبفارق زمنيّ لا يُذكر بين ضربة وأخرى، استهدفت كلّاً من السعوديّة والبحرين والإمارات والكويت وقطر وعُمان والأردن والعراق وسوريّا وقبرص، واستهدفت، على نحو أو آخر، الملاحة الدوليّة، خصوصاً في مضيق هرمز، ومصافي نفط وطرق تصدير. وهذا، معطوفاً على مصالح وقواعد عسكريّة، وضع بلدان الاتّحاد الأوروبيّ في موضع الاستهداف أيضاً.

وكان عدد من المراقبين والمعلّقين، العرب والغربيّين، قد استوقفهم هذا السلوك حيال بلدان، كالسعوديّة وعُمّان وقطر، خاض بعضها معارك سياسيّة وديبلوماسيّة لمنع نشوب الحرب على إيران، ورعى بعضها أعمال الوساطة للحؤول دون التصعيد.

ولولا فداحة أكلاف الحرب الإنسانيّة والاقتصاديّة، والألم المنجرّ عن ذلك، لبدت بعض أجزاء هذه اللوحة مثيرة للسخرية: فـ«حزب الله» مثلاً، من خلال قصفه قاعدة للجنود البريطانيّين في قبرص، هدّد بإدراج لبنان في موقع المواجهة مع بريطانيا ومن ورائها حلف الناتو!

والحال أنّنا نشهد ما يشبه التطبيق العمليّ لشعارات كانت ترفعها، في الستينات والسبعينات، تنظيمات وثوريّون بالغو التطرّف من قبيل «فلنجعل كلّ أرض فيتنام» أو «ضرب العدوّ في كلّ مكان»، وبالتالي تحويل «كلّ مكان» إلى مصدر تأتي منه العداوة.

يحصل هذا من دون أن يكون هناك ما يتعدّى الدعم اللفظيّ لإيران، من قبل دول وازنة كالصين وروسيّا. وهكذا مثلاً لم تتردّد وسائل إعلام غربيّة في التساؤل عن الكيفيّة التي قد تنظر بموجبها بيكين إلى إغلاق مضيق هرمز، والخسائر التي لا بدّ أن تتكبّدها من جرّاء ذلك، أو عن نظرة البلدين الكبيرين، الصين وروسيا، إلى ما قد يلحق باقتصادهما تبعاً لما يصيب اقتصادات المنطقة من جرّاء الحرب.

ولا يعمل بنهج بالغ الجذريّة كهذا إلاّ من يشعر بأنّ العلاقة النزاعيّة بالعالم شرط لفوزه ولنجاح أدائه السياسيّ. هكذا يتحوّل مفهوم العداوة إلى مفهوم متدحرج يستحيل تعريفه على نحو نهائيّ. فبدل توسيع دائرة الأصدقاء وتضييق دائرة الأعداء، ممّا يسعى إليه المحاربون عادةً، يسود مبدأ معاكس تماماً يضيّق دائرة الأصدقاء، أو على الأقلّ المحيَّدين والقابلين للتحييد، فيما يوسّع دائرة الأعداء.

لكنْ إذا ما ذهبنا خطوة أبعد من الظاهر السياسيّ والعسكريّ، جاز لنا القول إنّ النهج هذا ليس مجرّد تعبير عن موقع حربيّ في توازن القوى. فهو، أيضاً وأساساً، يعبّر عن موقع غير متصالح مع العالم في تيّاراته الأعرض، إذ لا يجد في هذا العالم ما قد يراه صداقة تُطمْئن. فمعروف أنّ نظام الحكم في طهران، وفي عداده ولاية الفقيه، لا يوجد أيّ نظام يشبهه على سطح الكوكب. وليس بلا دلالة أنّ السعي إلى تغيير المنطقة بلداً بلداً، والسعي إلى توتير العلاقة بالقوى الدوليّة المؤثّرة، لازما هذا النهج منذ نشأته الأولى.

لقد أدّى قيام الثورة الخمينيّة في 1979 إلى احتلال السفارة الأميركيّة في طهران واحتجاز موظّفيها. وبهذا أعلنت إيران الجديدة ما يشبه وثيقة الولادة التي لم تتفرّد فحسب في الإخلال بالأعراف الديبلوماسيّة، بل تفرّدت كذلك في أمر آخر لا يقلّ أهميّة: فهي في ذهابها بعيداً في خصومة الولايات المتّحدة، وكان ذلك إبّان الحرب الباردة، لم ترتبط بعلاقة ودّ بالاتّحاد السوفياتيّ وكتلته. لا بل مضت تؤكّد هذه المسافة عبر أدبيّاتها المناهضة لـ«الشيوعيّة الملحدة»، وتعاطيها القمعيّ مع الحزب الشيوعيّ الإيرانيّ. وعلى نحو موازٍ، وإن أقلّ أهميّة، لم تُعرف إيران بعقد صداقات، كالتي عقدتها قوى ثوريّة أخرى في «العالم الثالث»، مع أطراف أوروبيّة متحفّظة على السياسات الأميركيّة، أو مع أميركيّين معارضين لإداراتهم وذوي موقع وازن.

كذلك كان من أوّل أفعال الثورة إعلانها الرفض القاطع لمعاهدة كامب ديفيد المصريّة – الإسرائيليّة التي أُنجزت في 1979 – عام الانتصار الخمينيّ نفسه. وهذا علماً بأنّ التيّار العالميّ الأعرض اعتبر تلك المعاهدة انتصاراً كبيراً للسلام وقطعاً مع تاريخ الحروب المتمادي. لقد عادت طهران بالصراع إلى ما قبل إقرار جمال عبد الناصر بالقرار 242 وبمشروع روجرز، وحينما اغتيل الرئيس أنور السادات، كرّمت قاتله المدعوّ خالد الإسلامبولي بطابع بريديّ وبشارع في طهران حمل اسمه.

ولئن عُدّ لبنان، وفق لون من الإجماع الضمنيّ، بلداً يُستحسن تحييده عن الصراعات الإقليميّة، كما عُدّ اليمن بلداً فائق الحساسيّة أمنيّاً واستراتيجيّاً لعدد كبير من البلدان ولمصالحها الاقتصاديّة، قامت السياسة الإيرانيّة على تعارض صريح مع هذين الاعتبارين، بل على إخلال غير عابئ بهما.

أمّا الصداقات التي عقدتها الجمهوريّة الإسلاميّة فكانت إمّا مع تنظيمات إسلاميّة وراديكاليّة، ساهمت هي في إنشاء معظمها، أو مع أنظمة تتعامل معها دول العالم المؤثّرة بكثير من التحفّظ والريبة.

وهذه، عموماً، عناصر تتّصل بالنشأة التكوينيّة التي قد تساعد في فهم بعض جوانب هذه الحرب وبعض السياسات التي تستند إليها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن الحرب والنظر إلى العالم عن الحرب والنظر إلى العالم



GMT 15:07 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

الإيراني الحائر والمحير

GMT 15:05 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

الأذرع بين نداء الآيديولوجيا ومصالح الذات

GMT 15:00 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

ليانا... ومنطقة حروب بلا نهاية

GMT 14:58 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

إيران... هل هو زمن خريف النظام الثيوقراطي؟

GMT 14:56 2026 الأربعاء ,04 آذار/ مارس

مشروع عربي لا بد منه؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان - المغرب اليوم

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 14:55 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

يحذرك من ارتكاب الأخطاء فقد تندم عليها فور حصولها

GMT 16:59 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

تجنّب أيّ فوضى وبلبلة في محيطك

GMT 07:57 2019 الإثنين ,14 تشرين الأول / أكتوبر

احتفال رسمي بمناسبة عودة أول رائد فضاء إماراتي

GMT 23:21 2020 الخميس ,03 كانون الأول / ديسمبر

نادي الزمالك يراهن على محمد أوناجم في الموسم الجديد

GMT 13:25 2021 الأحد ,03 تشرين الأول / أكتوبر

"الأسواق الأسبوعية" موروث ثقافي وحضور قوي في المغرب
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib