رأس السَّنة ودجل العرَّافين والمنجّمين

رأس السَّنة ودجل العرَّافين والمنجّمين

المغرب اليوم -

رأس السَّنة ودجل العرَّافين والمنجّمين

جبريل العبيدي
بقلم : د. جبريل العبيدي

يعدُّ رأس السَّنة فرصةً ذهبيةً للمنجمين والعرافين في الظهور والحَديث المتخيَّل عمَّا ستصير عليه أحداث العام. هذه الأوهام والممارسات الخاطئة يحشوها العرافون والدَّجالون في عقول الناس البسطاء، في نهاية كل عام.

ففي مثل هذه الأيام تتلقف الفضائيات والإذاعات ووسائل التواصل الاجتماعي العرافين؛ حيث يُدلُون بأحابيلهم وأكاذيبهم، بدءاً من قراءة الفناجين وأوراق التاروت، مروراً بمن يزعم قراءة الطالع والكف، وآخرين يستخدمون علم الأرقام والجفر، وجميعهم يزعمون «المعرفة» بالغيب، ويدّعون معرفة المستقبل أو مصير الناس من خلال النجوم والكواكب.

وإن كان بعضهم يتهرَّب من تسمية مُنجّم، واصفاً نفسه بالفلكي، في محاولة للتضليل وتجنُّب لفظ منجم، ويستخدم بعضهم مخططات مثل «هوراسكوب»، وهو عبارة عن خريطة تُبين مراكز الكواكب ونسبتها إلى الأبراج وربطها بمصير الإنسان وتكهنات أخرى، رغم أن هناك دراسات حديثة أظهرت اختلافاً كبيراً في التقويم الشمسي المرتبط بالأبراج وتواريخ ميلادها، بل هناك مَن يتحدث عن سنوات مفقودة، وأننا نعيش في أعوام غير التي نظنّها، وجميعها تكهناتٌ لا إثبات علمياً لها.

فالرَّجمُ بالغَيْب في اللغة هو كمن تكلّم بما لا يعلم ورجم بالظن ورمى به، على سبيل الظّن، من دون دليل ولا برهان، فالغيب علمياً ينقسم إلى أنواع مختلفة، منها النسبي ومنها المطلق، ومن باب الغيب النسبي تسلل المنجمون والعرافون، فالتنجيم كانت نشأته عند البابليين في بلاد ما بين النهرين، فمنهم من راقبَ حركة النجوم والكواكب في مسارها في السماء، ورسم لها خرائطَ، ووضع لها رموزاً، مثل الجدي والميزان والسرطان والجوزاء والعقرب والقوس والحوت، وربطها بقدر الإنسان. وحقيقة القول قد يُحالف الحظ بعضهم، إلا أنَّه يبقى رهيناً للاحتمالات، ونسبة حدوث الحدث مرهونة بنسبة تكراره، فالرجم بالغيب، خلاصة، يعني الكلام بلا دليل أو معرفة، ويبقى مجرد تخمين وظنون.

التنجيم والرَّجم بالغيب ومحاولة جعلهما ضمن العلوم التطبيقية خطأ يقع ضمن محاولات القائمين عليه إقناع الرافضين له بكونه مجردَ «علم تطبيقي» يمكن الخوض فيه، ونظراً لشغف الإنسان وولعه بمعرفة الغيب والاطلاع عليه، رغم تحذير الخالق بأن الغيب خالص له في قوله: «عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً»، فإن الإنسان خاض فيه فكان ظالماً جهولاً.

نحن نؤمن بالغيب لكنَّنا لا نعرفه، وفقاً للقرآن الكريم: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ».

ولعل في قصة السكارى الثلاثة الذين نبشوا قبر نوستراداموس -أشهر المنجّمين الذين عرفهم التاريخ- بعد وفاته بقرون عبرةً توضّح أن القصة مختلقة؛ فقد قيل إنهم وجدوا في القبر نقشاً يوافق تاريخَ نبشهم، ما زاد من الأساطير حوله هذا المُنجم الفرنسي، الذي كان يقوم بكتابة الأحداث على شكل رباعيات غير مفهومة في كتابه «النبوءات»، التي يصعب فك طلاسمها، وهناك مَن يظن أنها تصلح لعصرنا، ويقال إنه تنبأ بنبش قبره بعد وفاته، وهي في الواقع ليست حقيقة تاريخية مثبتة، بل أسطورة شعبية.

التنجيم عرفه العرب في الجاهلية، إذ كان بعض العرب يعتمدون على المنجمين لمعرفة المصير أو التنبؤ بالأحداث، ومن أشهرهم «سطيح» و«شِقّ» اللذان ارتبطت بهما قصص أسطورية خرافية كثيرة.

وكان هناك ربيع بن ربيعة من بني مازن الأزد، وكان العرب يحتكمون إليه.

وجاء في الإسلام قول «كذب المنجمون ولو صدقوا»، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: «لَا تُجَالِسْ أَصْحَابَ النُّجُومِ».

وكانت العرب تُعد التنجيم من أعمال الكهانة. ويكفي ذلك في جواب قس بن ساعدة لملك الروم عندما سأله: خبّرني هل نظرت في النجوم؟ قال: ما نظرت فيها إلا بما أردت به الهداية، ولم أنظر فيما أردت به الكهانة.

فالتنجيم هو ربط حركة الكواكب والنجوم بمصائر الناس، وبعضهم اليوم يحاول تسميته علمَ الفلك، بل الزعم بأنه علم مختلف عن التنجيم، وأنه دراسات احتمالية مرتبطة بحركة الكواكب ونسبتها لميلاد الإنسان وتأثيرها عليه للقول بأنَّ علم الفلك ليس هو التنجيم الذي عرفته الجاهلية قبل الإسلام ومن بعدها العصور المظلمة في أوروبا، قبل أن تنهض أوروبا وترمي التنجيم والخرافة خلفها، وتتَّجه نحو الصناعة وتنمية عقول البشر.

المشكلة أنَّ مسألة التنجيم وإهدار الإنفاق عليه إعلامياً في بلاد العرب أصبحت عادة، ولو صرفت هذه الأموال في أوجه التنمية، لاستطعنا انتشال بلاد العرب من أساطين التخلف، وتحقيق تنمية مستدامة تبدأ من العقل العربي بعد تحرره من سطوة التنجيم والكهانة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رأس السَّنة ودجل العرَّافين والمنجّمين رأس السَّنة ودجل العرَّافين والمنجّمين



GMT 08:42 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

التوابع.. والزوابع

GMT 08:21 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

الاعتذار وموجباته

GMT 08:13 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

سعيد السريحي وتلك الأيام

GMT 08:06 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

التّعافي الممنوع

GMT 08:02 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

إيران: التشبث بالسلطة بأي ثمن

GMT 07:55 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 بين جيلين

GMT 15:41 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

ما يهم الناس في الموضوع

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 14:35 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان
المغرب اليوم - درة تكشف أوجه الاختلاف بين مسلسليها في رمضان

GMT 18:10 2021 الإثنين ,01 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك

GMT 18:06 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

كن هادئاً وصبوراً لتصل في النهاية إلى ما تصبو إليه

GMT 16:48 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

يتناغم الجميع معك في بداية هذا الشهر

GMT 11:36 2019 الأربعاء ,30 كانون الثاني / يناير

عمرو سعد يواصل تصوير مشاهد فيلمه الجديد "حملة فرعون"

GMT 10:04 2019 الجمعة ,25 تشرين الأول / أكتوبر

اعتداءات المختلين عقليا تبث الخوف بسيدي سليمان

GMT 06:18 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 14:33 2019 الإثنين ,25 آذار/ مارس

متولي يوقع عقدًا مبدئيًا مع الرجاء البيضاوي

GMT 00:43 2018 الثلاثاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

كلوديا حنا تؤكّد أنها تنتظر عرض فيلم "يوم العرض"

GMT 02:09 2018 السبت ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

نيللي كريم تستعدّ لدخول تصوير فيلم "الفيل الأزرق 2"

GMT 10:26 2019 الخميس ,21 شباط / فبراير

الفتح الرباطي بدون 4 لاعبين أمام يوسفية برشيد

GMT 04:41 2017 الخميس ,19 كانون الثاني / يناير

ثلاث هزات أرضية تضرب وسط إيطاليا دون ورود أنباء

GMT 08:22 2015 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

مدير مدرسة ينصح بتدريب التلاميذ على المواجهة

GMT 11:08 2022 الإثنين ,27 حزيران / يونيو

زلزال بقوة 5.1 درجة قرب مدينة وهران الجزائرية

GMT 14:57 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

خاليلوزيتش يُبدي إعجابه بـ"مايسترو الرجاء"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib