«النخب» الليبية وديمومة الخلاف والاختلاف

«النخب» الليبية وديمومة الخلاف والاختلاف

المغرب اليوم -

«النخب» الليبية وديمومة الخلاف والاختلاف

بقلم : د. جبريل العبيدي

 

تعاني ليبيا بسبب الخلافات السياسية، انقساماً وتشظياً جغرافياً يهدد سلامة ووحدة أراضيها بالانقسام الجغرافي وليس السياسي فقط، مما جعل من الفيتو اللغة المتبادلة والسائدة بين الجميع، في ظل غياب مطلق لأي اتفاق أو حتى توافق لمصلحة الوطن بعيداً عن أي حسابات حزبية ضيقة تعرقل تحقيق الديمقراطية الناشئة، فالديمقراطية هي سلوك وثقافة جماعية، وتتمحور حول احترام الآخر، والإقرار والقبول بسيادة القانون. المشهد السياسي الليبي الحالي ضبابي ومرتهن الإرادة، في ظل وجود هذا الصراع الحزبي المعلن، كما في ظل غياب تمثيل حقيقي للشعب في إطار حزبي بشكل صحيح؛ نظراً لعدم وجود حضور حزبي حقيقي في الشارع والمجتمع، فالمجتمع الليبي ذو التركيبة القبلية في الأصل، يجعل من أي شكل حزبي يفتقر لأي وجود فاعل ضمن حراك مجتمعي يستظل بموروث قبلي لا حزبي، ولكن تسلل «بعض الحزبيين» من خلال عباءة المستقلين كما حدث في أول انتخابات بعد 2011 في المؤتمر الوطني (أول برلمان منتخب)، مما قلب المعادلة في اتجاه حزبي مطلق، حتى أصبح الوجود الحزبي سبب المشكلة الأساسية في تعثر الأداء، مما جعل الصراع الحزبي يتجه بالبلاد نحو نفق مظلم، ويعرقل أي فرصة لبناء دولة مدنية خالية من أي صراع.

الغرب يروج للديمقراطية الحزبية في ليبيا ويتبناها في أي حوار أو مشروع للحل، في حين يرى كبار منظريه أن الديمقراطية غير قابلة للتحول والتموضع في مجتمعات قبلية، وهذا يجعل من اختزال ليبيا ورهن إرادة شعبها في إطار حزبي ضيق مغالطة كبرى، فالحزب قد يحمل أفكاراً ورؤى خارجية، ثبت فشلها في بلدانها، ما يجعل من محاولة استنساخها أو إعادة إنتاجها في ليبيا أمراً مرفوضاً بالمطلق، ومحاولة لاستنساخ الفشل والفوضى، فحرية الإرادة التي هي سلوك الإنسان وتصرفاته تنبع من إرادته الحرة بالكامل من دون تدخل من أي طرف، فالديمقراطية بنكهة الأحزاب تحتاج إلى تأسيس وتغيير في ثقافة مجتمع قبل نشر أحزاب تجاوز عددها المائة حزب تفتقر إلى منتسبيها في بلد طبعه قبلي وعدد سكانه بضعة ملايين، مما يؤكد الأمية الديمقراطية، بل وأحياناً خطرها على الشعب في ظل الأمية الحزبية تحديداً في بلد عاش سكانه أكثر من أربعين عاماً على شعار «من تحزب خان».

حل الأزمة الليبية يكمن في تغليب مصلحة ليبيا ووحدة ترابها، فهذا هو الطريق الصحيح نحو بناء وطن للجميع خالٍ من الإقصاء والتهميش، والبدء في التأطير السياسي وبناء المؤسسات وإعداد مشروع نهضوي ضمن استحقاقات الانتقال من الثورة إلى الدولة، ومن القبيلة إلى الدولة، والإسراع في كتابة الدستور بدلاً من التلكؤ المتكرر وإطالة زمن تدفق المنافع من مرتبات ومزايا، فالوطن ليس كلمة أو تعبيراً إنشائياً أو مضافاً إليه، في أي اسم حزبي أو مؤسساتي. فالحوار ليس نافذة يتسلل منها من طردوا من الباب، بل يعني التوافق ضمن إطار احترام الشرعية وخيار الشعب الديمقراطي.

وفشل رجال السلطة، بسبب عوامل عدة منها الأحزاب والاختباء خلف جلباب الحزبية، حيث مارسوا جميعاً سياسة «التناطح» مما تسبب في غرق مركب الوطن جراء تفضيلهم مصلحة الجماعة أو الحزب على مصلحة الجميع، كما تسبب ذلك في تشتت الوطن والإضرار باللحمة الوطنية، كما تولد الشعور العام بالتذمر والإحباط.

ولكن في ظل هذا الوضع المنقسم بشكل غير مقبول، قد يكون من النافع للوطن أن نمارس الديمقراطية التوافقية في ظل عجز ما تسمى «النخب» الحزبية المؤدلجة بالنهوض بالدولة من مستنقع الفوضى والعنف بسبب الخطاب والصراع الحزبي، وكون أصحابها يخدمون أهدافهم ومخططاتهم التي أنتجت التخبط والفوضى والمراهقة وعدم النضوج السياسي، فمصلحة الوطن تستوجب أن يكون خارج تغطية فوضى التشويشات النفعية الخاصة، فكل ذلك انتهازية واستبداد حزبي، مما يجعلنا نكفر حتى بالحرية.

اختلاف الآراء له قيمة مجتمعية في تنوع الفكرة وتنوع الحلول؛ لأن المجتمع في الأصل متنوع ومختلف، وليس نسخة كربونية واحدة، فالاختلاف مناخ صحي للديمقراطية حتى لا يشيع الرأي الأوحد ويصبح مناخاً خصباً لظهور الديكتاتورية نتيجة للخوف من الرأي الآخر.

ولكي نترك أزمة الخلاف بنكهة العداء إلى الاختلاف بنكهة التنوع، علينا أولاً فهم الاختلاف بصورة التنوع في الرأي وليس خصومة مستدامة يتم توظيفها، وكما قال غاندي: «الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء، وإلا لكنت أنا وزوجتي من ألد الأعداء...»، وحينها نؤسس لثقافة ديمقراطية والقبول بالآخر، فالوطن أنا وأنت وليس «أنا أو أنت».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«النخب» الليبية وديمومة الخلاف والاختلاف «النخب» الليبية وديمومة الخلاف والاختلاف



GMT 05:22 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

GMT 05:21 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

عُمر من «نقش زهير» إلى «نقش المهد»

GMT 05:20 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

شوكتان في حلق السيادة اللبنانية

GMT 05:19 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

ترمب وحلم طهران الساذج

GMT 05:08 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

ابنة الملك خوفو... بريئة!

GMT 18:13 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

لبنان… امتحان آخر لترامب

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة ـ المغرب اليوم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 13:15 2019 الأحد ,24 آذار/ مارس

ترتيب جيد ببطولة الشبان لفئات نهضة بركان

GMT 05:37 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

استخدام فوانيس الإضاءة للحصول على جو رومانسي داخل المنزل

GMT 05:01 2017 الإثنين ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل طريقة لتحقيق التوازن الهرموني من خلال التغذية السليمة

GMT 13:39 2019 الثلاثاء ,12 آذار/ مارس

روسيا تحارب الأخبار الزائفة على الإنترنت

GMT 09:27 2019 الإثنين ,07 كانون الثاني / يناير

أغنية "ديزي دروس" تقترب من مليوني مشاهدة بعد ساعات من طرحها

GMT 02:53 2018 الخميس ,22 تشرين الثاني / نوفمبر

مسن يغتصب 5 أطفال في مدينة مكناس

GMT 03:59 2017 الجمعة ,22 كانون الأول / ديسمبر

عادل كاروشي يطالب الرجاء بتسديد مبلغ300 ألف دولار
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib