لنعدّ أنفسنا لواقع جديد
أخر الأخبار

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد!

المغرب اليوم -

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد

إياد أبو شقرا
بقلم : إياد أبو شقرا

أزعم أن الحرب الجديدة على إيران لم تفاجئ أحداً. إذ إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حضّر العدة لتنفيذها علناً. ولكن، لئن كانت حروب نتنياهو الإقليمية السابقة تُبرّر بـ«حق الدفاع عن النفس»... فإنه هذه المرة كان أكثر صراحةً عندما تطرّق إلى العنصرين «الاستبقائي» و«الوقائي». وهنا لا بأس من تذكّر أنه على امتداد سنوات عديدة فائتة كان يكرّر بلا كلل مقولته أن إيران «باتت على بعد أشهر قليلة» من إنتاج قنبلتها النووية.

في الحقيقة، اتسمت استراتيجية اليمين الإسرائيلي خلال السنوات الأخيرة بثقة جارحة، عزّزتها ثقته المتزايدة بالنقلة النوعية في مقاربات واشنطن لتطوّرات المنطقة.

والحال، أنه إذا كانت أولويات الديمقراطيين إزاء الشرق الأوسط، إبّان رئاستي باراك أوباما وجو بايدن، قد قامت على الدعم الاستراتيجي المألوف والمطلق لإسرائيل، فإنها، في المقابل، شملت تعاملاً «أقل عدائية» تجاه طهران... توافرت «مبرّراته» بوجود - أو قُل إيجاد - ظاهرة «داعش».

«داعش» كان ظاهرةً «مطلوبةً» لتأجيج حساسيات الانقسام السنّي - الشيعي وضمان ديمومته في العالم الإسلامي. وبعد ذلك، الانطلاق نحو حالات تقسيمية وتفتيتية واستعدائية قاتلة بين المكوّنات الإثنية الكبرى في المنطقة، على رأسها العرب والفرس والترك والكرد والبلوش وغيرهم. ومن ثم، بعد إنجاز هذا «السيناريو»... تبدأ مرحلة تقسيم الكيانات القائمة، بغضّ النظر عن أحجامها وتحالفاتها و«مرجعياتها».

النظام الإيراني، الذي يدافع في هذه الساعات عن وجوده، هو طبعاً قُطب في ذلك الانقسام، في مقابل «داعش» وفصائل أخرى قريبة من فكره. ولعله كان يُدرك منذ فترة غير قصيرة ثمن مطامحه وأطماعه. كما أنه كان مُلمّاً بشروط اللعبة، وبحجم الولايات المتحدة... بعد انفرادها بزعامة العالم.

لقد كان النظام - الذي تخرّج العديد من ساسته في الجامعات الأميركية - يفهم بعمق «العلاقة العضوية» بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وأيضاً، يعرف جيداً تلازم هذه «العلاقة» مع بريطانيا، القوة الاستعمارية العجوز، التي أسهمت في «تركيب» كيانات الشرق الأوسط ورسمت حدودها، والتي لا تزال تحتفظ بقواعد عسكرية و«ذاكرة سياسية» مهمّة تخدم تموضعها وتحرّكها الصامت.

لذا، منذ قدّمت إدارة جورج بوش «الابن» عام 2003 للنظام الإيراني العراق على «طبق من ذهب»، ثم لم تُظهر، لا تلك الإدارة ولا الإدارات الأخرى، أي قلق ظاهر من امتداد نفوذ طهران إلى سوريا «الأسدين» ولبنان «حزب الله»، ارتاح النظام لغض الطرف الأميركي. وعلى الأثر، أقنع نفسه بالقدرة على تغطية نهجه التوسّعي، القائم على مفهوم «تصدير الثورة»، بمنطق إبقاء المدن الإيرانية في مأمن من تبعات الردود الأميركية والإسرائيلية.

وهذا يعني مواجهة أميركا وإسرائيل عسكرياً، إذا اقتضى الأمر، في مدن وأرياف فلسطين المحتلة ولبنان وسوريا... وحتى العراق واليمن، بدلاً من مواجهتها داخل الأراضي الإيرانية.

في هذه الأثناء، بينما كانت الكيانات العربية في المنطقة تتمزّق داخلياً بالخلافات وتعتمل بالأحقاد والعداوات المفتعلة، كانت طهران تواصل بدأب بناء قدراتها القتالية، وتزيد تدخّلها السافر داخل العالم العربي.

بالتوازي، كان هناك في اليمين الإسرائيلي المتطرف - و«التوسّعي» أيضاً - من يُعِد العدّة لتصفية ما تبقى من القضية الفلسطينية عن طريق إلغاء فلسطين والشعب الفلسطيني والذاكرة الفلسطينية. وكانت نقطة البداية الكارثية في هذا المخطّط... تعميق الصراعات الفلسطينية - الفلسطينية ومفاقمة فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية.

من جهة ثانية، تزايدت فضائح بنيامين نتنياهو الشخصية. ولقد حاول الهروب منها بشتى الوسائل، بما فيها استغلال زمر من اليمين الاستيطاني داخل الكنيست، والتحالفات التكتيكية الاحتيالية مع شخصيات برلمانية وعسكرية لكسب الوقت، و«استنزاف» المنافسين، من أجل الاحتفاظ بالسلطة... عبر تفادي سيف العدالة القضائية.

وبمرور الوقت، وانكشاف ضعف المنافسين، وتنامي تطرّف المتطرفين التوراتيين والاستيطانيين المدعومين بالإسنادين المالي والسياسي من بؤر تطرف توراتية وإيفانجيلية أميركية، جاءت عودة دونالد ترمب - الذي تشمل قاعدة مؤيديه شرائح من هذه البؤر نفسها - لتُطلق يد نتنياهو في إكمال مخطّطه... بل والذهاب أبعد.

هنا، وجدت طهران نفسها في وضع غير مريح لم تتحسّب له، مع أن المؤشرات حتى قبل عملية 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 في غلاف قطاع غزة كانت واضحة. واليوم، يبدو أن أي ردة فعل منها ستكون متأخرة، وحتماً غير كافية لتجنّب إما التغيير أو الفوضى، إيرانياً وإقليمياً.

إسرائيل، كما سبق الكلام غير مرة، هي أحد أكبر المستفيدين من إسقاط نظام طهران وتقسيم كيانات المنطقة وتفتيتها.

بكلام آخر، إذا تحقّقت خلال الأيام المقبلة غايات الحرب الحالية، فإننا لن نكون فقط أمام واقع إقليمي مختلف، بل سنكون أيضاً أمام عملية بناءٍ شاملة لمستقبل المنطقة ومفاهيمها وولاءاتها واقتصاداتها ومجتمعاتها.

بل، أتوقّع شخصياً ألا تكتفي إسرائيل، ومن خلفها داعموها، بتغيير المستقبل... بل أرجح أن يُصار قريباً إلى المباشرة بمراجعة الماضي.

نعم. مراجعة التاريخ، وإعادة كتابته ومحو غير المرغوب منه، وإزالة هويات قائمة واختراع هويات بديلة. وهذا أمر غدا أكثر احتمالاً بكثير مع تحضير نتنياهو لحرب مقبلة ضد أطراف أخرى في المنطقة، كتركيا، وربما باكستان أيضاً - بعد بناء حلف استراتيجي جديد مع الهند بقيادة ناريندرا مودي!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

لنعدّ أنفسنا لواقع جديد لنعدّ أنفسنا لواقع جديد



GMT 12:13 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

إيران واعتقال الجغرافيا

GMT 02:02 2026 السبت ,14 آذار/ مارس

لبنان بين الأنوار والنيران

GMT 15:44 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

الخيار شمشون …!

GMT 15:42 2026 الأحد ,08 آذار/ مارس

اليوم العالمى للمرأة

GMT 13:06 2026 الجمعة ,06 آذار/ مارس

البحث عن إنسان

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - المغرب اليوم

GMT 01:06 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران
المغرب اليوم - الأمم المتحدة تدين التهديدات الأميركية ضد إيران

GMT 04:03 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

محاكمة محمد رمضان بتهمة سب وقذف إعلامي شهير
المغرب اليوم - محاكمة محمد رمضان بتهمة سب وقذف إعلامي شهير

GMT 02:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً
المغرب اليوم - مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 19:03 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تشعر بالإرهاق وتدرك أن الحلول يجب أن تأتي من داخلك

GMT 14:54 2018 الإثنين ,15 تشرين الأول / أكتوبر

الفئات العمرية لطنجة تحقق نتائج طيبة في البطولة الوطنية

GMT 17:03 2024 الثلاثاء ,16 تموز / يوليو

نصائح من نمر سعادة لاختيار بدلات رجالية عصرية

GMT 08:30 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

​إدريس بوجوالة يحضر اجتماع محمد ساجد في الرباط

GMT 12:37 2012 السبت ,18 آب / أغسطس

دللي بشرتك في العيد بالعنب والزيتون

GMT 06:04 2016 الخميس ,01 كانون الأول / ديسمبر

روبرتو كافاللي "Roberto Cavalli" تطرح مجموعة من مجوهرات 2017

GMT 13:54 2017 الأحد ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

نصائح مميزة من أجل الأهتمام بحديقتك في فصل الشتاء

GMT 17:00 2022 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

ارتفاع أسعار النفط مع ضعف الدولار
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib