بقلم - طارق الشناوي
لا يمكن إخفاء الموت ولا الحب، فهما من الأفعال المعلنة مهما تعمدنا تخفيض الصوت، وهذا هو الإطار الدلالى للتعبير الشعبى التونسى (بيت الحس) الذى يمثل السينما العربية رسميا فى (برلين). الطائرة تعود من فرنسا إلى تونس، لا ثرثرة ولا شىء سوى كلمات مضيفة الطيران وهى تهنئ الركاب بسلامة الوصول.
نتابع وجه بطلة الفيلم التونسى آية بو ترعة التى تعود إلى أرض الوطن من أجل المشاركة فى وداع وتشييع جثمان خالها، وكأننا بصدد حالة اكتشاف مشتركة، فهى غائبة منذ سنوات ولا تدرى الكثير عن العائلة، وعلى الجانب الآخر العائلة أيضا ليس لديها سوى شذرات عنها، الخال يغادر شاطئ الحياة، ومعه أسراره، وسيدة عائدة لعائلتها مؤكد لديه أيضا أسرارها، نظرة من شباك الطائرة على الأرض من بعيد لبعيد كأنها عين الطائر المحلق، رحلة اكتشاف مشتركة، عن الخال وعن البطلة، ونتابع أربعة أجيال فى بيت العائلة. الفيلم إنتاج مشترك تونس وفرنسا وسوف تكتشف أن النسبة العظمى فى أفلام كل المهرجانات الكبرى فى العالم تقع تحت طائلة هذا القانون الإنتاجى، السينما العربية متواجدة داخل المهرجان بكل تظاهراته على تعددها، ولكن تلك هى المشاركة العربية الوحيدة داخل المسابقة الرئيسية والتى يتواجد فيها 22 دولة، وستلمح فى جزء كبير منها شراكة إنتاجية ألمانية.
فى (برلين) بالإضافة إلى التواجد الإنتاجى الألمانى هناك أيضا حضور نسائى لافت فى دنيا الإخراج، داخل كل أقسام المهرجان وتحديدا المسابقة الرسمية على اعتبار أنها الأهم.
ولاتزال قناعتى أن تلك النسبة والتى تتجاوز 40 فى المائة تعبر فقط عن انحياز فنى وليست أبدا خيارا مسبقا ولا حتى أحد عناصر ترجيح الاختيار، الأفلام تفرض نفسها وأتصور أن قسطا معتبرا من المخرجات فى العالم صرن يفضلن التوجه إلى برلين.
فيلم (بيت الحس) من الممكن أن نحيلها حتى نفهمها إلى خفض الصوت للمخرجة ليلى بوزيد ابنة المخرج التونسى الكبير نورى بوزيد، هو فيلمها الروائى الثالث، فى غضون نحو 10 سنوات بدأت مع (على حلة عينى) ثم (مجنون فرح)، وبرغم أن المهرجان يوجه هذا العام تحية مستحقة للسينما المغربية، التى نجحت فى فرض وجودها العالمى، إلا أن هذا لا ينفى أبدا أن السينما التونسية خاصة بأيدى المخرجات حققن تواجدا عالميا من المستحيل إنكاره وننتظر جميعا يوم 15 مارس القادم المخرجة كوثر بن هنية أن تتوج بجائزة أفضل فيلم دولى فى مسابقة (الأوسكار) وتلك قطعا فرحة كبرى تستحقها السينما التونسية عن جدارة. قدمت المخرجة ليلى بوزيد فيلمها القائم على الاكتشاف المشترك بين من رحل ومن جاء، ويشارك آية بوترعة كل من هيام عباس وماريون باربو وفريال سمارى.
طقوس الجنازة الإسلامية يقدمها الفيلم بالكثير من التفاصيل التى تشير إلى خصوصية وقدسية الوداع، ونلمح خيط ارتباط بطلة الفيلم بالخال، رغم بعد المسافة وأيضا غياب السنوات.
كل شىء يبدو فى إطاره التقليدى، الوفاة طبقا للتقرير الرسمى طبيعية (سكتة قلبية)، ولكن هناك لمحات تتناثر هنا وهناك عن علاقة مثلية، ولكن لا شىء يحمل مباشرة جريمة يعاقب عليها القانون، التقرير الطبى محايد، فقط شذرات تثير الفضول، وينتقل الفيلم إلى البحث عن كل الملابسات، الوجه الآخر هو أن بطلة الفيلم العائدة من الغربة أيضا مثلية جنسيا، القانون التونسى يجرم هذا النوع من العلاقات، ويحتدم الصراع بين الأم التى أدت دورها باقتدار هيام عباس وبين الابنة آية بوترعة، وتترك المخرجة وهى أيضا كاتبة السيناريو الباب (مواربا) عند الجمهور. مثل هذه القضايا لا تتم مناقشتها بهذا الوضوح فى المجتمعات العربية، وغالبا تثير نفور الغالبية العظمى من الجمهور، وفى العادة ترفض رقابيا ولا يسمح لها بالمشاركة فى المهرجانات العربية، ولكن طبقا لما هو معلن الفيلم سيعرض تجاريا فى تونس إبريل القادم، السؤال: هل على السينمائى العربى أن يتناول تلك الأنماط حتى يتاح لفيلمه التواجد داخل المهرجاتات الكبرى؟
تلك المعلومة يتم كثيرا تداولها، قطعا لا أنكر أن هناك من يعتبر أن تلك القضايا هى الطريق للمضمون للمهرجانات. ولكن وحتى تستقيم العبارة، هذا الاختيار لا يعنى أن هذا يكفى، هناك رؤية إبداعية تستند إلى لغة سينمائية عصرية وإلى عين مخرجة تملك الإحساس السينمائى.
المخرج يستطيع أن يفرض قانونه واختياراته لو أراد، وليس مجبرا لتناول تلك القضايا ولكن يجب أن نذكر أن الفيلم لم يكتف بهذا القدر وأن ليلى بوزيد لم تلتزم بالعنوان ولم يكن أبدا الصوت هامسا بل كان حقا صاخبا!!.