بقلم - طارق الشناوي
٤٨ ساعة ويسدل الستار على الدورة ٧٦ من مهرجان برلين، وسط تراشقات سياسية، أكدها بل زاد لهيبها اشتعالا تراجع مستوى الأفلام فى أقسام المهرجان المختلفة.. و(الترمومتر) هنا مؤكد سيصبح المهرجان المنافس الأكبر والذى ينطلق فى مايو القادم، وأقصد بالطبع (كان)، فهو الذى يصعد مباشرة ككفة أخرى فى الميزان وتحدث مباشرة بعدها المقارنة.
لم تكن إدارة مهرجان (برلين) الحالية تمتلك الحنكة فى فن إدارة الأزمة، وهكذا جاءت التصريحات اقرب إلى زخات من (البنزين)؛ لأنهم لم يدركوا- وكما أشرت من قبل- إلى الفارق بين القضية السياسية التى بطبعها تحتمل تعدد وجهات النظر، والقضية الإنسانية التى لها وجه واحد للصورة ولا تحتمل اكثر من قراءة واحدة.. إنه الفارق بين النسبى والمطلق. السياسة نسبية بينما الإنسانية مطلقة. هناك هامش ما من الممكن أن تلمحه فى الغزو الروسى لأوكرانيا، يقع فى إطار النسبى، الخوف الأمنى الذى اعتبرته روسيا كافيًا للغزو المسلح لحماية أمنها، وعلى الجانب الآخر حق السيادة كما تمارسه أوكرانيا يمنحها الضوء الأخضر لترد الضربة ضربتين، بينما حصار غزة لا يحتمل أى جدل، لأننا نتحدث عن الإنسان وحقه فى الحياة.
نجوم كبار مثل خافيير براديم، وبعضهم حائز الدب الذهبى أهم جائزة فى (برلين) مثل تيلدا سويتون، أعلنوا معارضتهم لإدارة المهرجان، وأيضا لرئيس لجنة التحكيم، ويم فيندرز المخرج الألمانى الكبير، لأنهم لم يصدروا بيانًا ضد الممارسات الإسرائيلية. المخرج الألمانى الكبير يعبر عن قناعته الفنية بأن النضال السينمائى يجب ألا يستخدم أسلحة مباشرة، وتجاهل أنه ليس بصدد حوار صحفى، ولكن قضية إنسانية نعيشها جميعا وتفرض وجودها على اختيارات المهرجان، والحوار جاء تحت مظلة المهرجان.
الإدارة بالطبع تتحمل المسؤولية أيضا، بسبب هذا التراجع فى اختيار الأفلام الذى صار هو العنوان، حتى المسابقات الهامشية أيضا لم تقدم الأشرطة السينمائية الجديرة بالتتابع إلا فى القليل منها.
وتشابكت على الخط مسابقة عنوانها (السينما من أجل السلام)، خارج النشاط الرسمى، ولكنها تستغل الزخم الذى يحققه المهرجان، ومنحت الفيلم التونسى الفلسطينى (صوت هند رجب) للمخرجة كوثر بن هنية الجائزة، ولكن على نفس الطريقة الألمانية للوقوف على الحياد التى يبدو أنها ترتبط بتوجه الدولة الرسمى، منحوا فى نفس الليلة الجائزة إلى الجنرال نوعام تيبون صاحب الشخصية المحورية فى الفيلم الوثائقى (الطريق بيننا) فى (طوفان الأقصى) ٧ أكتوبر.
قرروا المساواة بين الجلاد والضحية، ووافقت اللجنة على منحه الجائزة، ليقتل بداخل المخرجة كوثر بن هنية الإحساس بقيمة الجائزة، الفيلم لم يكن يتناول الطفلة (هند رجب) فقط، ولكن وحشية إسرائيل التى اغتالت أسرة هند رجب والمسعفين، وحصولها على الجائزة مناصفة، يعنى أنها توافق على تكريس هذا النوع من المساواة المتعسفة. ألقت كلمتها ورفضت أن تصطحب معها الجائزة إلى تونس، ولم تفكر لحظة فى قوة اللوبى الصهيونى وفيلمها (صوت هند رجب) وصل للقائمة القصيرة خمسة أفلام، فى الأوسكار التى تعلن ١٥ مارس القادم، فى المسابقة الأشهر عالميًا التى تبلغ ٩٨ عاما. ولا أستبعد قطعا أن هناك من سيستغل هذا التصريح، لتجييش أعضاء (الأكاديمية الدولية الأمريكية لعلوم الصورة) من أجل إبعاد كوثر بن هنية عن التتويج بجائزة أفضل فيلم دولى (أجنبى). مقصود بهذا التوصيف الفيلم غير الناطق بالإنجليزية.
رصيدنا قليل جدا كعالم عربى فى (الأوسكار)، حصلنا عليها عام ١٩٦٩ عن فيلم (زد) إنتاج جزائرى، وتسلم الجائزة المنتج احمد راشدى وهو مخرج معروف، صعد على المسرح باعتباره منتجًا، بينما الفيلم إخراج اليونانى الشهير كوستا جافراس وناطق بالفرنسية، الفيلم يحصل على الجنسية من خلال الإنتاج، ومن هنا فإن الفيلم يحمل الجنسية الجزائرية، وهو أول فرحة لنا كعرب بالأوسكار، مؤكد لو نجحت كوثر بن هنية فى الحصول على الأوسكار سيصبح الإحساس بالفخر مضاعفًا لأنه فيلم تونسى (عربى) بكل مفرداته القضية واللغة والإحساس.
المخرجة الكبيرة التصقت بالقضية التى قدمتها فى الفيلم، فلم تكن مجرد حالة فنية تجذبها دراميًا بقدر ما هو إيمان بالقضية العادلة.. أنتظر أن تتوج بالأوسكار فى ١٥ مارس لنطوق أعناقنا جميعًا كغرب، على شرط أن تنجو من ضربات مباغتة خارج النص من اللوبى الصهيونى!!.