ثلاث حروب لا حرب واحدة

ثلاث حروب لا حرب واحدة

المغرب اليوم -

ثلاث حروب لا حرب واحدة

بقلم:مأمون فندي

الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط بين إيران من ناحية، والولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية أخرى، ليست حرباً واحدة كما تبدو في عناوين الأخبار؛ بل هي ثلاث حروب متداخلة قد تعيد تشكيل الإقليم ببطء، ولكن بعمق.

من يقرأ المشهد باعتباره مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران وأذرعها، متمثلة في «حزب الله» في لبنان و«الحوثيين» في اليمن، أو حتى بين واشنطن وطهران، يقع في فخ التبسيط. ما يجري في الحقيقة هو صراع متعدد الطبقات، لكل طبقة منطقها الخاص، وأدواتها، وأهدافها.

الحرب الأولى هي الحرب الإسرائيلية - الإيرانية، أو ما يمكن تسميته حرب تغيير الشرق الأوسط وفق رؤية إسرائيلية أوسع يدعو إليها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. هي حرب غير تقليدية بين دولتين تعملان عبر الشبكات والوكلاء، إذ تضرب إسرائيل في سوريا ولبنان، وتستهدف البنية العسكرية لـ«حزب الله»، في محاولة لاحتواء النفوذ الإيراني وإعادة رسم ميزان القوة الإقليمي.

أما الحرب الثانية فهي حرب استنزاف تقودها إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، تعتمد فيها على أدوات غير مباشرة، من بينها التهديد بإغلاق مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من ضغط على الاقتصاد العالمي مضافاً إليه إطلاق الصواريخ على إسرائيل بشكل يومي. هذه الحرب لا تستهدف الحسم بقدر ما تسعى إلى منع الخصم من تحقيق تفوق استراتيجي، عبر إطالة أمد الصراع وإدارة التهديد لا إنهائه.

الحرب الثالثة هي المواجهة الأميركية - الإيرانية؛ إذ تسعى واشنطن إلى تقليص قدرات إيران النووية وربما تغيير النظام أو تغيير سلوكه، بينما تراهن طهران على الصمود وتفادي الضربة القاصمة. حتى الآن، لم تحقق هذه المواجهة أهدافها الحاسمة، ما يعكس حدود القوة العسكرية حين تنفصل عن سياق سياسي واضح.

كما يذكر كارل فون كلاوزفيتز، الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل أخرى، لكنها أيضاً مجال يعاني فيه القادة من «ضباب الحرب»، حيث تغيب الصورة الكاملة وتتخذ القرارات في ظل عدم يقين. وإذا كان هذا الضباب يحيط بصناع القرار، فهو أشد كثافة لدى من يحاولون قراءة المشهد من الخارج.

عامل الزمن يلعب دوراً حاسماً في هذه الحروب الثلاث. إيران تميل إلى إطالة أمد الصراع لاستنزاف خصومها، وإسرائيل تبحث عن تغيير استراتيجي من دون أن تجد نهاية واضحة للحرب، بينما تميل الولايات المتحدة إلى تقليص المدة لتجنب التكلفة السياسية. هذا التباين في حسابات الوقت يعمّق التعقيد ويجعل الحسم أكثر صعوبة.

في العمق، نحن أمام صراع على شكل النظام الإقليمي ذاته. النظام الذي تشكل بعد الحرب العالمية الأولى يتآكل، من دون أن تتبلور بعد ملامح بديلة. الصراع لم يعد عسكرياً فقط؛ بل أصبح سياسياً واقتصادياً وشبكياً، تُعاد فيه صياغة مفاهيم النفوذ والدولة.

القوى المختلفة تسعى إلى تحقيق حد أدنى من أهدافها: إيران تريد تخفيف العقوبات والاعتراف بدورها الإقليمي، وإسرائيل تسعى إلى ترجمة تفوقها العسكري إلى واقع مستقر، والولايات المتحدة تحاول إدارة التوازن من دون الانزلاق إلى فوضى شاملة. أما الدول العربية، فتقف بين كونها أهدافاً ضمن الصراع أو فاعلين محتملين فيه، في ظل غياب مشروع إقليمي جامع.

وفي الخلفية، تتقدم قوى دولية مثل الصين بهدوء، مستفيدة من انشغال الآخرين بالصراع، لتعزيز نفوذ طويل الأمد من دون الانخراط المباشر في الحروب.

ما يميز هذه اللحظة أن النصر لم يعد يعني هزيمة عسكرية صريحة؛ بل القدرة على الصمود، وإعادة التموضع، وفرض قواعد جديدة للعبة. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس من سينتصر في معركة بعينها؛ بل من سينجح في تشكيل النظام الإقليمي القادم.

لكن، وبينما تنشغل القوى الكبرى والإقليمية بحسابات النفوذ والاستراتيجية، يدفع المدنيون الثمن الأكبر. دول الخليج التي لم تختَر أن تكون طرفاً ضمن هذه المواجهات، أصبحت في قلب دائرة الخطر تتعرض لصواريخ وطائرات مسيّرة تجعل أمنها اليومي رهينة لصراعات الآخرين. هناك، لا تُقاس الحرب بموازين الردع؛ بل بعدد العائلات التي تعيش القلق، وبالخسائر التي تصيب الأبرياء، وبالإحساس العميق بأنهم أصبحوا ضحايا لحروب لا تخصهم مباشرة.

إن المأساة الحقيقية في هذه الحروب المتعددة ليست فقط في تعقيدها الاستراتيجي؛ بل في بساطة أثرها الإنساني: خوف، وخسارة، وعدم يقين. وفي النهاية، قد يُعاد رسم خرائط النفوذ، لكن الجرح الذي تتركه الصواريخ في حياة الناس يظل أعمق من أي حسابات سياسية.

ثلاث حروب تدور في آن واحد، تتقاطع وتتصادم، وتنتج واقعاً جديداً لم تتضح ملامحه بعد. ومن يصر على رؤيتها حرباً واحدة لن يستطيع التعرف إلى تبعاتها على الإقليم، التي ستكون طويلة الأمد بكل أسف.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ثلاث حروب لا حرب واحدة ثلاث حروب لا حرب واحدة



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 20:33 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تواجهك أمور صعبة في العمل

GMT 12:16 2014 الأربعاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

بسكويت محشي بالقشطة

GMT 14:03 2021 الإثنين ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة هواوي تطلق الهاتف الذكي الجديد "نوفا 9"

GMT 07:54 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري وزوجته يغيبان عن عيد ميلاد كيت ميدلتون

GMT 06:22 2014 السبت ,31 أيار / مايو

سُحِقت الإنسانيّة.. فمات الإنسان

GMT 06:17 2014 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع أسعار الطماطم ومهنيو الزراعة يحذرون من الوسطاء

GMT 16:26 2023 الأربعاء ,01 آذار/ مارس

أرباح "طنجة المتوسط" تلامس مليار درهم

GMT 03:18 2020 السبت ,18 تموز / يوليو

توضيح من بشرى بشأن بيان مهرجان الجونة

GMT 16:26 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش

GMT 18:57 2018 الخميس ,04 تشرين الأول / أكتوبر

شركة جوجل تضيف تحديثًا جديدًا في تطبيقها للخرائط

GMT 23:26 2018 الثلاثاء ,18 أيلول / سبتمبر

جوجل تضيف ميزة التعرف على الأغاني في البحث الصوتي

GMT 10:59 2016 الإثنين ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

عصبة سوس لكرة القدم تتواصل مع 23 فريقًا للمشاركة في كأس العرش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib