فلسطين ونقل جلسة الجمعية العامة

فلسطين... ونقل جلسة الجمعية العامة

المغرب اليوم -

فلسطين ونقل جلسة الجمعية العامة

مأمون فندي
بقلم - مأمون فندي

مرةً أخرى، وضعتْ وزارةُ الخارجيةِ الأميركية، بقيادة ماركو روبيو، الأممَ المتحدة والعالمَ أمام مأزقٍ جديد عبر رفضِها منح التأشيراتِ للوفد الفلسطيني لحضور اجتماعات الجمعيةِ العامة في نيويورك. هذا القرار، رغم طابعِه الإجرائي، فإنَّه يكشف عن خللٍ عميق في آلية عملِ الأمم المتحدة، إذ تتحكَّم الدولة المستضيفة في قرار الحضور، فتمنح منصة الشرعية لمَن تشاء، وتحجبها عمّن تشاء.

أميركا لم تستوعب حتى الآنَ أنَّ المشهدَ الدولي قد تغيّر بعد الجرائم الإسرائيلية في غزة، من قتل للأطفال إلى التجويعِ الممنهج، وهو ما حرَّك الرأي العامَّ العالميَّ وغيَّر مواقفَ بعض القوى الدولية. كذلك أحدثت المبادرة السعودية - الفرنسية في نيويورك زخماً دولياً لدعم الاعتراف بدولة فلسطين كخطوةٍ أولى نحو حل الدولتين. في يوليو (تموز) 2025، أعلنت 15 دولة إضافية نيتَها الاعتراف بفلسطين، منها أستراليا وكندا ونيوزيلندا والبرتغال وفنلندا، ليصبحَ عدد الدول المعترفة بفلسطين 147 من أصل 193 دولة عضواً في الأمم المتحدة، ما يجعل القضية الفلسطينية اليوم اختباراً لمصداقية النظام الدولي برمته.

هذا الحراك الدولي يفتح الباب أمام خيار طالما استُبعد لعقود: نقل جلسة الجمعية العامة من نيويورك إلى عاصمة أخرى، ربما جنيف أو باريس، حيث يمكن لجميع الدول الأعضاء ممارسة حقها الطبيعي بالمشارَكة.

الموقف الأميركي من الفلسطينيين اليوم ليس جديداً، ففي عام 1988 رفضت واشنطن منح تأشيرة دخول لياسر عرفات، فكانت استجابة الجمعية العامة بالانتقال إلى جنيف بأغلبية واضحة، حيث ألقى عرفات خطابه الشهير معلناً استعداد منظمة «التحرير» للسلام، وفق قرارات الشرعية الدولية. تلك اللحظة أثبتت أن الإهانة الأميركية يمكن تحويلها إلى مكسب سياسي فلسطيني، وأن الأمم المتحدة قادرة على حماية استقلالها حين تتوفر الإرادة الجماعية. اليوم، تستطيع السعودية وفرنسا خلق زخم مماثل لنقل الجلسة، مع أن فرنسا ستكون الدولة المستضيفة هذه المرة، مما يتيح للوفد الفلسطيني المشاركة دون عراقيل.

الميثاق الأممي واضح: «للجمعية العامة الحق في عقد اجتماعاتها خارج مقرها الدائم متى رأت ذلك». وقد تم تطبيق هذا الحق في لندن وباريس قبل اكتمال مبنى نيويورك، ثم أُعيد في جنيف 1988. إذن، لا جديد قانونياً، الجديد فقط هو استعداد الدول الأعضاء لتفعيل هذا الحق في مواجهة دولة مستضيفة تتخلى عن التزاماتها.

ما يحدث اليوم يتجاوز فلسطين وحدها. السلوك الأميركي يضرب أساس مبدأ المساواة بين الدول الأعضاء، وهو الركيزة التي قامت عليها الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. إذا قبل العالم أن تستمر الولايات المتحدة في اختيار مَن يدخل ومَن يُمنَع، فإن المنظمة تفقد ما تبقَّى لها من صدقية. لذا فإن خيار نقل الجلسة ليس إجراءً شكلياً، بل دفاع عن جوهر الأمم المتحدة نفسها.

الدبلوماسية العربية اليوم، خصوصاً السعودية بوزنها الإقليمي والدولي، أمام فرصة تاريخية. يمكن لهذه الدبلوماسية قيادة حراك واسع يضم الدول العربية والإسلامية، ويستند إلى تحالفات أوروبية بدأت تبتعد عن الموقف الأميركي التقليدي، مثل فرنسا والنرويج وإسبانيا. إذا تُرجم هذا الحراك إلى تصويت في الجمعية العامة، فقد نشهد جلسةً استثنائيةً خارج نيويورك، تكون بمثابة زلزال سياسي ودبلوماسي.

أهمية الخطوة لا تكمن فقط في تمكين الفلسطينيين من المشاركة، بل في الرسالة الرمزية والسياسية للعالم: أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على احتكار مسار الأمم المتحدة، وأن هناك أغلبية دولية قادرة على إعادة تعريف الشرعية بعيداً عن «الفيتو الأميركي» الذي شلَّ مجلس الأمن مراراً، وأن فلسطين ليست وحدها، بل معها كتلة واسعة من الدول تدعم إنصافها.

نقل الجلسة إذا تمَّ فلن يكون مجرد تكرار لتجربة جنيف 1988، بل لحظة سياسية جديدة قد تفتح الباب أمام اعترافات أوسع بدولة فلسطين، وتعيد صياغة المعادلة داخل المنظمة الدولية. وربَّما الأهم أنَّها ستعيد الثقة في قدرة الأمم المتحدة على حماية أضعف أعضائها من تعسف الأقوى.

الخلاصة أنَّ غزة، التي تتحدَّى «الفيتو الأميركي» اليوم، ليست مجرد عنوان لمعاناة إنسانية، بل شرارة لتحرُّك دبلوماسي يعيد اختبار موازين القوى العالمية. إذا قررتِ الأغلبية الدولية نقل الجلسة، فلن يكونَ مجرد انتقال مقر من مدينة إلى أخرى، بل انتقال مركز الثقل السياسي من منطق الهيمنة الأميركية والقطب الواحد إلى مساحة التعددية القطبية في النظام الدولي. وبهذا لا يكون نقل جلسةِ الجمعية العامة حدثاً تاريخياً فقط فيما يخص فلسطين، بل يكون زلزالاً سياسياً يرسم ملامح عالم متعدد القطبية، ومن هنا تكون حرب الإبادة والتجويع حدثاً غيَّر ملامح النظام الدولي كله. فقط في هذه اللحظة ستُحاصَر أميركا أخلاقياً، وتُجبَر على الانخراط في صناعة سلام جاد في الشرق الأوسط.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فلسطين ونقل جلسة الجمعية العامة فلسطين ونقل جلسة الجمعية العامة



GMT 16:33 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

حرب المخدرات والجرائم البشعة

GMT 21:23 2026 الأحد ,25 كانون الثاني / يناير

رفعت الأسد… الأوّل في الدّولة المتوحّشة

GMT 21:21 2026 الأحد ,25 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 16:47 2026 الأحد ,25 كانون الثاني / يناير

ما وراء رسوم الموبايل

GMT 16:35 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

عملية بيع معلنة

GMT 16:31 2026 الأحد ,25 كانون الثاني / يناير

ثورة على الثورة

GMT 16:30 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

الانفراج

GMT 17:27 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

تفاءلوا خيرًا أيها المحبطون !

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - المغرب اليوم

GMT 16:09 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

نتنياهو يعلن استعادة جميع الرهائن من قطاع غزة
المغرب اليوم - نتنياهو يعلن استعادة جميع الرهائن من قطاع غزة

GMT 17:06 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

داود حسين يتحدث عن مسلسله الجديد "كسرة" قبل عرضه في رمضان
المغرب اليوم - داود حسين يتحدث عن مسلسله الجديد

GMT 16:51 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الصين تنجح في عملية طباعة ثلاثية الأبعاد للمعادن في الفضاء
المغرب اليوم - الصين تنجح في عملية طباعة ثلاثية الأبعاد للمعادن في الفضاء

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 07:48 2025 الجمعة ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 24 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 19:22 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تفتقد الحماسة والقدرة على المتابعة

GMT 09:47 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 19:03 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تشعر بالإرهاق وتدرك أن الحلول يجب أن تأتي من داخلك

GMT 07:54 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 15:22 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 18:50 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تتمتع بالنشاط والثقة الكافيين لإكمال مهامك بامتياز

GMT 15:34 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

ارتفاع أسعار التحاليل الطبية بالمختبرات في المغرب
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib