بقلم: سليمان جودة
سواء دامت الهدنة المؤقتة فى حرب إيران أو انهارت، فسوف تكون فى الحالتين فرصة ليس فقط لالتقاط الأنفاس، وإنما للكشف أكثر عما كان يتم وراء الصورة أمامنا.
الصورة هى الحرب التى أطلقها الرئيس ترامب فى ٢٨ فبراير. وإذا كانت الحرب قد توقفت مؤقتًا فجر الثامن من أبريل، فإننا على موعد بعدها مع تعريف جديد لعبارة «أغنياء الحرب» التى رافقت كل حرب اشتعلت من قبل.
كان أغنياء الحرب القُدامى يوظفون أعمال القتال لتحقيق الثروات، وكان ذلك يجرى بتجارة السلاح، ومع السلاح مختلف السلع التى تزيد الحرب من حاجة الناس إليها، وكان يُشار بعد كل حرب إلى الذين خرجوا منها بالثروات باعتبارهم أغنياء حرب، وكانت الثروات توصف بأنها غير مشروعة، لأن أصحابها حققوها استغلالًا لظرف وتوظيفًا لأزمة.
مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران عاد أغنياء الحرب فى صورة جديدة، وبدأ الحديث عنهم همسًا فى الإعلام، ثم صار يقال صراحةً، وبدا أن معركة أخرى ذات طابع مختلف كانت تدور فى خلفية القتال بين أطراف الحرب الثلاثة، ولم يصدق الذين تابعوا أخبار الحرب ما قرأوه صباح ٢٣ مارس عما سُمى: صفقة الربع ساعة.
بدأت أبعاد الصفقة تتكشف بعد أن أشار ترامب على منصته الإلكترونية الخاصة إلى «مفاوضات مثمرة» مع الإيرانيين، وما كاد يعلن ذلك حتى كانت أسعار البترول قد انخفضت ١٥ ٪، ولكن القصة لم تكن أنه أشار أو كتب، ولا حتى أن السعر انخفض، ولكن القصة كانت أن شخصًا فى دائرته الرئاسية سرّب ما سوف يكتبه الرئيس قبل كتابته بربع ساعة، وشهدت أسواق النفط عمليات بيع متزامنة لأشخاص محددين، وكسبوا فى ربع ساعة فارق السعر قبل الانخفاض وبعده!
وعندما تداول الإعلام ما حدث أحس البيت الأبيض بالحرج، وكان الحرج شكليًا لا حقيقيًا، لأن البيت الأبيض نفسه طرف فى الموضوع، وقيل إن تحقيقًا سيجرى لأن الرئيس لا يسمح بتوظيف معلومات داخلية فى سبيل جنى المكاسب، وبالطبع لم يتم تحقيق ولا يحزنون، لأن التسريب جرى من الدائرة الضيقة جدًا للرئيس!
وبلغت القيمة فى صفقة ربع الساعة مليارًا و٢٠٠ مليون دولار، وعندما أشرفت الحرب على هدنتها المؤقتة عاد الحديث عن صفقات لا صفقة واحدة. ولو أنت بحثت فى الخلفيات التى جاء منها كثيرون ممن يحيطون بترامب، فسوف تكتشف أن ما كنا نتابعه من أعمال القتال هنا فى المنطقة كانت وراءه عمليات سمسرة واسعة، وأن الدم الذى سال من ضحايا الحرب كان يتحول بالتوازى إلى ثروات فى جيوب الذين وظفوا تغريدات ترامب فى البيع والشراء.