بقلم:سليمان جودة
لا يكتمل حج المسلم إلا بزيارة النبى، عليه الصلاة والسلام، رغم أن أركان الحج كلها فى مكة المكرمة، ولا شيىء منها فى المدينة المنورة، حيث قبر النبى وحيث مسجده النبوى. فالحاج يستطيع أن يحج دون زيارة المدينة، وكذلك المعتمر يستطيع أن يعتمر دون زيارة المدينة. وفى الحالتين يبقى الحج مكتملاً لا ينقصه شىء والعُمرة أيضاً. إن رحلة العُمرة طواف وسعى فى مكة ولا شىء آخر، ورحلة الحج طواف أيضاً وسعى ومن بعدهما منى، والمزدلفة، وعرفات، وغيرها، إلى أن يكون الختام بالطواف والسعى من جديد، وكل ذلك يتم فى نطاق مكة لا يغادرها.
ومع ذلك، فإن شيئاً ما فى قلب كل حاج أو معتمر، يجعله يستشعر الذنب إذا حج أو اعتمر ولم يمر بالمدينة المنورة، يُسلم على النبى الأكرم، وإلى جواره صاحباه أبوبكر وعمر.
وهكذا، فالزائر للحج هذه الأيام، أو للعمرة طول السنة، يزور المدينة المنورة تطوعاً لا إلزاماً، ولا يحركه سوى شىء خاص جداً اسمه حُب النبى. وربما كانت هذه هى الحكمة فى ألا تكون زيارة المدينة من بين أركان الحج ولا العمرة، وأنها أمر متروك لكل زائر وما يحمله فى وجدانه تجاه النبى الكريم.
وقد يبدأ الزائر للحج أو للعُمرة حجته أو عمرته بزيارة المدينة، وكأنه يستأذن صاحب المقام الرفيع هناك فى أن يُطلق زيارته متجهاً إلى مكة المكرمة، ثم يستكمل ما يقول به صحيح الدين فى إتمام الزيارة إلى آخرها.
وقد يؤخر الحاج أو المعتمر زيارة النبى فيجعلها فى آخر الزيارة، فكأنه يختتم بها رحلته الإيمانية الممتلئة بالمشاعر الروحانية العالية، أو كأنه يدخر الزيارة فى آخر الرحلة لتكون هى مسك الختام الذى لا يماثله مسك آخر.
ولايزال المصريون يصفون العائد من الحج أو العمرة بأنه «جاى من عند النبى» مع أنه يمكن أن يحج وأن يعتمر بغير أن يمر بالمدينة المنورة!.. ولكنه حُب النبى الذى تجده مزروعاً فى قلب كل مسلم فى العموم، وفى قلب كل مصرى يهفو قلبه طول الوقت إلى الزيارة، ولا يجد راحته إذا زار السعودية إلا فى رحاب المسجد النبوى.
وربما لهذا السبب استحدث الملك فهد لقب «خادم الحرمين».. فلقد كان هو أول ملك يحمله بين ملوك السعودية، ومن بعده جاء يحمله الملك عبدالله ثم الملك سلمان، وفى الحالات الثلاث كان هذا اللقب أحب إلى الملوك الثلاثة من كل الألقاب، فكأن الملك فهد أراد أن يؤسس لشىء يجعل ملك البلاد ينال ثواباً بخدمة زوار الحرمين، المكى ثم النبوى.
حُب النبى «حالة» يعرفها صاحبها، ولا فرق فيها بين الأمى الذى قد يتوه فى المطار، وبين حامل أكبر الشهادات العلمية من أرفع الجامعات. ولأنها حالة فهى كامنة فى وجدان صاحبها، والكلمات لا تستطيع الإحاطة بها لأن لها لغة أخرى غير لغة الكلام.