بقلم - عبد المنعم سعيد
يوم نشر هذا المقال سوف تكون حالة التحدى بين إيران والولايات المتحدة إما أنها سوف تكون حالة حرب شاملة هذه المرة؛ أو أن جولة المفاوضات الأولى قد أفرزت خروجا من عن حافة الهاوية وقبول مسار للتعامل مع قضية السلاح النووى الإيرانى مع توافقات أمريكية إيرانية على فتح مفاوضات أخرى للتعامل مع باقى القضايا الواقعة على جدول الأعمال. الوسطاء العرب (مصر والسعودية والإمارات وعمان وقطر) والمسلمون (تركيا وباكستان) سوف يحتاجون إلى «صبر أيوب» حتى لا تنزلق أرجل المفاوضون إلى الهاوية. المفاوضات فى هذه الحالة تنعقد وسط مناخ لا يواتى التوصل إلى حل يجذب الجميع بعيدا عن الحافة، ويغطى قطاعا حاميا لها من البقاء فى المنطقة الحرجة. وحتى وقت كتابة المقال كان مرصودا أن المفاوضات سوف تجرى فى اسطنبول تركيا؛ بينما ظهرت أنباء عن الانعقاد فى سلطنة عمان التى كثيرا ما كانت جسرا بين الطرفين كان أشهرها ذلك الذى استخدمته الولايات المتحدة للتغطية على الهجوم الذى شنته مع إسرائيل لحرب الاثنى عشر يوما!
الحقيقة أن التاريخ لا يعيد نفسه بسهولة، وهذه المرة فإن الحديث عن التفاوض وممارسته سواء كانت فى اسطنبول أو مسقط ينعقد وسط حالة عالية من التأهب العسكرى: الولايات المتحدة وضعت زهرة أسطولها فى بحر العرب القريب من إيران، وإيران أعلنت حالة التأهب فى أسطولها لكى يقوم بمناورات عسكرية قرب «مضيق هرمز» والشواطئ الإيرانية. وعلى سبيل الاستطلاع قامت طائرة مسيرة إيرانية بالسير فوق حاملة الطائرات «إبراهام لينكولن»، وقامت هذه بإسقاطها عن طريق الطائرة الأمريكية F-35؛ آخر ما أنتجته العبقرية التكنولوجية الأمريكية فى ميدان الدمار. الواقعة كثفت جهود الوساطة من عقد المفاوضات حتى تكون مقدمة لوقف التصعيد ومعه حالة الطوارئ، والتوقف عن التهديد والدعاية الساخنة التى يقوم بها كل طرف إزاء الطرف الآخر. المفاوضات فى الواقع كان السعى إلى عقدها صعبا نظرا لارتفاع حالات التأهب؛ وتدخل الوسطاء لم يفلح فى دفع الطرفين للتراجع العسكرى ولا توقف الوعيد الذى وعد به كل طرف الطرف الآخر. إيران كانت راغبة فى التأكيد على أن حالتها الآن تختلف عما كانت عليه وقت الحرب، وأنها الآن أكثر استعدادا لكى تلقن واشنطن درسا قاسيا؛ والولايات المتحدة كانت تريد استمرارا للصورة التى تكونت عنها فى الساحة العالمية بعد غزو فنزويلا وخطفت رئيسها مادورو وزوجته، والحديث عن ضم جزيرة جرينلاند للوصاية الأمريكية بالشراء أو بالقوة.
«الفيل فى الحجرة» كما يقال فى الحديث الأمريكى عن تواجد أمور حاسمة فى ساعة التواصل والتفاوض لا يأتى ذكرها بينما يعلم الجميع أنها عناصر لا يمكن تجاهلها. ما كان يرفرف على الساسة فى طهران هو الأوضاع الداخلية التى جرت فى إيران بمقتضاها خرج مئات الألوف من الإيرانيين فى أغلب المحافظات الإيرانية مطالبين بإسقاط النظام وتحميله مسؤولية الإخفاق فى الحرب الأخيرة، فضلا عن إدارة الدولة واقتصادها الذى دخل فى مراحل صعبة. الوضع داخل الولايات المتحدة لم يكن يقل حرجا، وظهر ذلك بعد ما تراكم من اعتراضات على استخدام الرئيس ترامب للقوة المسلحة للخلاص من المهاجرين غير الشرعيين وما نتج عليها من سقوط قتلى فى ولاية «مينيسوتا»؛ والذى صاحبه انخفاض نسب التأييد لترامب فى استطلاعات الرأى العام خاصة فى ظل ما انتهى إليه أمر الإدارة الأمريكية من شقة مع الدول الأوروبية وشركاء حلف الأطلنطى. ببساطة كان كلا الطرفين فى حاجة إلى ما يطمئن به الجبهة الداخلية فى بلاده فضلا عن حلفائه حيث إيران تريد الحفاظ على «وكلائها» من الميليشيات العربية فى العراق ولبنان واليمن؛ أما الولايات المتحدة فقد كان يقف على أكتافها إسرائيل ومجموعته الحاكمة والتى ترى أنها شريكة فيما يجرى سواء كان فى ساحة القتال أو طاولة المفاوضات.
الوسطاء كان أمامهم نقاط مستعصية؛ البيئة التفاوضية كانت واقعة فوق صفيح ساخن ناجم عن حرب غزة الخامسة ونتائجها من «حرب الساحات» واستمرار سخونتها على جبهتى غزة ولبنان. وزاد على ذلك التأهب العسكرى المشار إليه سابقا والذى طرح حالة من التربص والخوف من انفلات الأصابع على الزناد. وسط هذا المناخ الساخن فإن أجندة التفاوض كانت معقدة وأولويات كل طرف فيها مختلفة عن الأخر. الولايات المتحدة تريد مناقشة المسألة النووية والصواريخ الإيرانية الثقيل منها والخفيف ووقف الاستعانة بالوكلاء - حماس فى فلسطين وحزب الله فى لبنان والحشد الشعبى فى العراق والحوثيون فى اليمن - والتوقف عن إعدام المتظاهرين المعادين للمرشد العام خاصة بعد أن وعدهم الرئيس ترامب بأن «المساعدات قادمة». هذا الجدول من القضايا مرفوض من الجانب الإيرانى، الذى يرى فيه تدخلا إمبرياليا فى الشؤون الداخلية للدولة الإيرانية ذات السيادة؛ وبينما يبدى استعدادا للتعامل مع المسألة النووية على أساس من استمرار القدرة على تخصيب اليورانيوم، فإنه يطلب رفع العقوبات الاقتصادية الواقعة على طهران بطريقة تتناسب مع كل تنازل تقدمه إيران التى عرضت تسليم 400 كيلو جرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى روسيا كدليل على حسن النية. حافة الهاوية حرجة وإنا لمنتظرون!