إصلاح ما بعد «الربيع العربي»

إصلاح ما بعد «الربيع العربي»

المغرب اليوم -

إصلاح ما بعد «الربيع العربي»

عبد المنعم سعيد
بقلم - عبد المنعم سعيد

مضى عقد ونصف العقد على نشوب ما عُرف بعنوان «الربيع العربي»؛ ورغم أن أحداثاً جسيمة جرت في الإقليم العربي فإن كثيراً من أصولها جاءت بذرتها الأولى أثناء تلك الفترة المشتعلة في مطلع العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. ثمن «الربيع» كان فادحاً في جوانب متعددة، ولكنه مثلما جرى لأوروبا بعد الثورة الفرنسية من حروب نابليونية وارتجاج في الواقع الأوروبي فإن ردود الفعل خلقت ثورة إصلاحية قامت على تبديل النظم السياسية والاقتصادية والتكنولوجية. ورغم أن معظم المشابهات التاريخية غير محكمة، فإن الاتفاقية الأوروبية التي بدأت عام 1814 وحتى 1914 لوقف الحروب بين قوى أوروبا العظمى، يمكن أن يفيد تحليل الأمن الإقليمي العربي حيث تعددت أشكال الثورات منذ نشوب الثورة الإيرانية في 1979، والانتفاضة الفلسطينية في 1987 و2000، حتى الأشكال المختلفة من «الربيع العربي» منذ 2011. كل هذه «الثورات» صاحبتها الثورة الصناعية والتكنولوجية الثالثة في مجالات الاتصالات والمعلومات التي اجتاحت العالم خلال الربع الأخير من القرن العشرين مسببة عولمة الأفكار والقيم وأنماط الحياة. ولم يكن العالم العربي بعيداً عن هذه التطورات، فمع التغيرات الديمغرافية الهائلة بما فيها من قفزات سكانية، وارتفاع نسبة الشباب فيها، فإن الإقليم أصبح واقعاً تحت ضغط انفجار الدول، والقيم. هذه الضغوط ما لم تتم إدارتها والتحكم فيها تقُد إلى انفجار الدول والمجتمعات التي تشتعل فيها الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية، وكما حدث بالفعل في الصومال والسودان وليبيا واليمن وسوريا والعراق.

إن الشرق الأوسط والعالم العربي في قلبه إقليم معقد يتحدى بطبيعته الأفكار البسيطة. ومن المفارقة أن كثيراً من الأفكار التي جرى تداولها تمت استعارتها من التجربة الأوروبية في حل الصراعات، وصنع السلام، والتكامل الإقليمي. كل هذه الأفكار كان هدفها صنع السلام بخاصة بين الدول العربية وإسرائيل، والعمل من أجل التكامل الإقليمي، والتحديث في دول الإقليم في الوقت نفسه. كل هذه الأفكار كانت ثقيلة على إقليم يعاني من جراح تاريخية، وآيديولوجيات سقيمة، والتخلف الاقتصادي والاجتماعي. وكانت نتيجة كل ذلك المزيد من الدول «الفاشلة»، والحروب، والتفكك، والتراجع التنموي بالمقارنة بالأقاليم السريعة النمو في العالم.

في هذه المرحلة من التغيير السريع بخاصة مع حرب غزة الخامسة لا بد من العودة إلى لوحات التخطيط للعلاقات الإقليمية والدولية؛ حيث نجد أمرين لهما أهمية خاصة: الدولة والقوة. إن أهم مثلين للنجاح في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة كانا معاهدتي السلام المصرية - الإسرائيلية، والأردنية - الإسرائيلية. هذه المعاهدات صمدت أمام اختبار الزمن وحرب غزة الأخيرة لسبب أنها ثبتت في يد الدول وقادتها المعبرين عن احتياجات ومصالح دولهم. بالإضافة إلى عمليات سلمية أخرى لم يكن فيها فاعلون من الدول، وإنما مؤسسات حاولت إحضار النموذج الأوروبي في السلام والتكامل، ولكنها في المرحلة الراهنة بات «النموذج الأميركي» الذي يقوده الرئيس دونالد ترمب هو السائد بعد حرب غزة الخامسة واستمرارها لأكثر من عامين.

إن واقع الشرق الأوسط يتجسد في أمرين؛ الأول: أن الإقليم مقسم بين هؤلاء الذين يريدون السلام والاستقرار اللذين هما شرطان للتنمية وجزء مهم من عمليات إصلاحية عميقة في دول الخليج والأردن ومصر والمغرب والجزائر وتونس؛ وهؤلاء الذين يعارضون السلام والاستقرار بسبب التاريخ أو الدين أو عدم الرغبة أو وجود المصلحة في التنمية. والثاني: أن هناك حرباً صريحة أو ضمنية تجري بين الطرفين تشنها الميليشيات العسكرية الخارجة على إطار الدولة. إن العمل الأساسي في المنطقة الآن هو تشجيع الدول على أن تصل إلى السلام اعتماداً على نفسها مع حرمان القوى الراديكالية من إفساد هذا الجهد. مثل ذلك هو عمل من أعمال القوة عندما تعرف بطريقة تجعلها أكثر من استخدام القوة العسكرية. إن منظومة من القوى لتحقيق الأمن الإقليمي يمكنها أن تشجع، وتغري، وتضغط، وتواجه إذا كان ذلك ضرورياً القوى المتعددة لعدم الاستقرار في المنطقة. ومن أمثلة هذه المنظومة قيام القوات المسلحة لدول التعاون الخليجي بقيادة المملكة العربية السعودية بوضع نهاية لحدوث الفوضى في البحرين عام 2011. وجاء مثال آخر عندما قامت دول عربية بمساعدة مصر في المرحلة التي تلت ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013. كذلك عملت مصر والسعودية على حل أزمة غزة في يوليو (تموز) 2014 وما تلاها من أزمات غزة ولبنان. إن ما يحتاجه الإقليم الآن هو منظومة من القوى لا تأخذها أفكار براقة ولامعة، وإنما رؤية واقعية وتفهم أن إقليماً فاشلاً ومفككاً سوف يكون أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إصلاح ما بعد «الربيع العربي» إصلاح ما بعد «الربيع العربي»



GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:28 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيارة إلى كوكب الصين

GMT 09:26 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:23 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

GMT 09:16 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

GMT 09:12 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

العالم جُنّ.. التكنولوجيا دمرت الأخلاق

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 06:20 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026
المغرب اليوم - صيحات جمالية مستوحاة من نجمات مسلسلات رمضان 2026

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل
المغرب اليوم - يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib