«ميونيخ للأمن» تفكيك ملامح العالم القديم

«ميونيخ للأمن»... تفكيك ملامح العالم القديم

المغرب اليوم -

«ميونيخ للأمن» تفكيك ملامح العالم القديم

إميل أمين
بقلم - إميل أمين

على مدار ثلاثة أيام، تابع العالم أعمال الدورة الثانية والستين من مؤتمر ميونيخ للأمن، الذي يكتسب أهميته من كونه منصة عالمية للحوار الاستراتيجي؛ حيث يجتمع قادة دول ووزراء دفاع وخارجية ومسؤولون عسكريون، عطفاً على خبراء أمن، من مختلف أنحاء العالم، لمناقشة التحديات الأمنية الكبرى، مثل الحروب، والإرهاب، والأمن السيبراني، والطاقة.

ترسم مناقشات «ميونيخ» عادة دوراً مؤثراً في بلورة السياسات الدولية، وإدارة الأزمات، كما تميل عادة لمناقشة مستقبل الأمن الأوروبي.

في كلمته الافتتاحية هذا العام، وضع رئيس المؤتمر، فولفغانغ إيشنغر، العالم أمام حقيقة تكاد تكون مؤلمة، على واقعيتها، وهي أن العالم يمر بمرحلة غير مسبوقة من الاضطراب، مع تصاعد الحروب الدموية في أوروبا، وعلى مستوى العالم.

هل دخل عالمنا المعاصر مرحلة تدمير للنظام العالمي الذي دام قرابة ثمانية عقود منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟

غالب الظن أنه كذلك، وهو ما ركز عليه التقرير السنوي للمؤتمر، والذي حمل عنوان «التدمير الشامل».

خلاصة التقرير تفيد بأن التيار العام السائد يدفع قسراً نحو مزيد من سياسات الهدر، ويقود في دروب تحطيم الثوابت التي استنقذت البشرية من ويلات حروب عالمية.

هنا يبدو الخطر الأكبر متمثلاً في تفضيلات القائمين على الحوكمة الأممية، الذين يعلون مسارات التدمير على مناهج الإصلاح، حتى وإن كان تدريجياً، وإعطاء الأولوية لتصويب المسارات بدلاً من هدم الهياكل البنيوية في كثير من البقاع والأصقاع.

يلف التقرير حالة من خيبة الأمل الواسعة النطاق، تلك التي باتت تخيم على عديد من المجتمعات الإنسانية المعاصرة، من شمال الكرة الأرضية إلى جنوبها، ومن أقصى الشرق الآسيوي إلى نهاية الغرب الأميركي.

تحوم الشكوك وبقوة حول جدوى فاعلية المؤسسات الديمقراطية، ولا سيما في ظل تنامي -بل واشتداد عود- كثير من الحركات الشعبوية؛ حيث الإقصاء والعزل، عوضاً عن القبول والدمج.

لا تبدو في الأفق القريب ملامح أو معالم واضحة لإمكانية استرداد الثقة في أنظمة قطبية، باتت تعمل على تفكيك ملامح العالم القديم، ومن غير أدنى شراكة حقيقية في تقديم بدائل أكثر رحابة واتساقاً مع رؤى العيش الواحد؛ بل تفضيلات أحادية الرأي، تسعى في طريق العظمة الفوقية، ومن غير أدنى التفاتة لفكرة الخير الأعظم والأشمل والأعم، لبشرية باتت مهانة ومجروحة في كرامتها.

يحاجج أصحاب الأصوات الزاعقة والرايات الفاقعة، بأن التدمير مطلوب في الحال والاستقبال، من أجل صالح ومصالح سكان هذا البلد أو ذلك.

غير أن ثمة أسباباً وجيهة للتشكيك فيما إذا كانت هذه السياسة تمهد الطريق حقاً لإجراءات تفيد قطاعاً جغرافياً بعينه، حتى وإن تسبب في أضرار بالغة القسوة والضراوة للبقية الباقية، ما يستحضر روح الشموليات من عند ماركس وإنغلز، مروراً بالرايخ الثالث، وصولاً إلى فكر نهاية التاريخ، وجميعها أثبت التاريخ زيفها وإفكها، وعدم مقدرتها على مواجهة رؤى العيش الإنساني العادل والمتساوق مع معايير الإيمان بالإنسان والأديان.

من هنا يمكننا القطع بأنه في الوقت الراهن يبرز شيء آخر، وهو مثير إلى حد خطير، أي ظهور عالم تطغى فيه المصالح الخاصة على العامة، وحيث تحدد إرادة القوى الكبرى، لا الإطار الدولي، مصير مناطق العالم.

تُرى أي نتيجة أولية يمكن أن تحصدها بشريتنا المعذبة؟

حكماً، العالم الذي يفضل الأغنياء والأقوياء، بينما يترك أولئك الذين يعلقون آمالهم على نهج سياسي مُدمر للأوضاع خلف الركب.

تفصيلات ما دار عبر ثلاثة أيام تملأ الصحف ونشرات الأخبار، غير أن هناك مفاصل تاريخية، ربما يتحتم الإشارة إليها، ولو اختصاراً.

المؤكد أن أوروبا بدت خائفة، وقادتها يعوزهم اليقين حول الأمن والطمأنينة في قادم الأيام، ولا سيما مع هاجس تواري زمن «الباكس أميركانا» أو «السلام الأميركي»، حين كان «العم سام» الضامن الأكبر في وجه تقلبات قياصرة موسكو من البلاشفة أو المناشفة.

الأوروبيون تتراوح خطواتهم بين مسارين: الحفاظ على مشاركة أميركية وثيقة، والحفاظ على «العروة الوثقى» مع الأطلسي، وفي الوقت نفسه العمل على تعزيز مؤسساتهم المدنية والعسكرية دفعة واحدة.

تتسع مساحات التدمير حسب تقرير ميونيخ، من جراء حالة اضمحلال تلف شمل المؤسسات الدولية، تلك التي حفظت بصورة أو بأخرى توازنات قطعت الطريق على الاحتراب الكوني، مثل الأمم المتحدة، والتي تكاد تشهر إفلاسها عن عمد، بينما الراوي يخبر بأن إرهاصات بدائل منفردة تطفو على السطح.

أما عن الديون التي تهدد الاقتصاد العالمي، والمناخ القاتل، والانفلاش النووي، فجميعها تجعل من رؤية السيد إيشنغر حقيقة لا خيال.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«ميونيخ للأمن» تفكيك ملامح العالم القديم «ميونيخ للأمن» تفكيك ملامح العالم القديم



GMT 12:26 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

أوروبا في عين أميركا المحافظة

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

واقعة ميت عاصم!

GMT 11:08 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

في انتظار الحرب والسلام؟!

GMT 10:58 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

ضَمٌّ مُمَنهَج... وعالمٌ يتفرج

GMT 10:53 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

إسرائيل والإسراع في عملية ضم الضفة الغربية

ميريام فارس تخطف الأنظار بإطلالات ملكية في الرياض

الرياض - المغرب اليوم

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:08 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 26-9-2020

GMT 20:34 2016 الأحد ,17 إبريل / نيسان

15 نصيحة لتطويل الشعر بسرعة

GMT 17:35 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قد تتراجع المعنويات وتشعر بالتشاؤم

GMT 18:18 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قد تمهل لكنك لن تهمل
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib