«البجع الأسود» والهشاشة الجيوسياسية الأممية

«البجع الأسود» والهشاشة الجيوسياسية الأممية

المغرب اليوم -

«البجع الأسود» والهشاشة الجيوسياسية الأممية

إميل أمين
بقلم : إميل أمين

يبدو العنوان مثيراً وخطيراً في الوقت ذاته، لا سيما في ظل التطورات الجارية حول العالم، شرقاً وغرباً؛ شمالاً وجنوباً.

منذ بدايات العقد الثالث من القرن الحالي، والهشاشةُ الجيوسياسةُ باتَ منسوبُها مرتفعاً، ومخاطرُها متصاعدةً بصورة غير مسبوقة، لا سيما في ظل عدم اليقين، وإنفلاش الصراعات، عطفاً على تراجع القدرة على إدارة الأزمات الدولية عبر الأطر التقليدية.

فقدَ العالم فترات الاستقرار النسبية التي عرفها القرن العشرين، وأوغل في دروب «السيولة الجيوستراتيجية»، حيث اختلطت الأزمات الاقتصادية مع المخاطر البيئية، فيما المهددات التكنولوجية الوليدة والجديدة، المتمثلة في الذكاءات الاصطناعية، باتت سيفاً مسلطاً على حالة الأمن والسلام العالميين؛ مما جعل بشريتنا أكبر عرضة للاهتزاز.

هل تعني تلك الهشاشة أن ظهور «البجع الأسود»، ومن أسف شديد، بات قاب قوسين أو أدنى؟

الذين لديهم علم من أدبيات الجيوبولتيك المعاصر، يدركون كيف أن فكرةَ الانزلاق إلى مواجهة أممية ثالثة تكاد تقرع الأبواب؛ مما يجعل طرح المفكر الأميركي الجنسية، اللبناني الأصل، نسيم طالب، عن «البجع الأسود»، حاضراً عند عتبات الأبواب.

طرح البروفسور نسيم طالب مفهومه عن «البجع الأسود» في مؤلفه الشهير «ذا بلاك اسْوَان (The Black Swan)»، ليصف «الأحداث النادرة التي يصعب التنبؤ بها، لكنها عندما تقع تُحدث تأثيراً هائلاً يعيد تشكيل التاريخ».

اليوم، إذا قرر أحد الأطراف تصعيد أي خلاف، لا سيما على صعيد القوى العظمى، فلا يمكن التنبؤ بمن قد يتدخل في عصر الأسلحة النووية السريعة الاشتعال؛ مما يعني أن الأمور قد تخرج عن السيطرة بسرعة قبل أن يتاح لأي من الأطراف الرئيسية فرصة فهم حقيقة ما جرى، وقد تنتهي حضارتنا البشرية في دقائق، بالدخول في الشتاء النووي.

يتساءل البعض: هل الأحداث اليوم شبيهة بما كان في عام 1913، أي قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى؟

غالب الظن أن هناك تشابهاً كبيراً، لكن مع الأخذ في الحسبان أن وقتها كانت دول العالم لا تتجاوز 61 دولة؛ ذات سيادة، قلبُها تمثله الإمبراطوريات الكبرى الفاعلة مثل بريطانيا وروسيا وفرنسا وألمانيا، أما اليوم فهناك 195 دولة، تسعى كل منها جاهدة لحجز مكانها على الساحة الدولية في سبيل تحقيق مصالحها الوطنية، ومن المستحيل حساب عدد الأحداث غير المتوقعة التي قد تزعزع الشبكة الجيوسياسية لدرجة انهيارها.

قد يعني ما تقدم أن الأحداث النادرة، التي يصعب التنبؤ بها لكنها تحدث، باتت تتراكم لتشكل عالماً أكبر هشاشة، أضحى خشبة مسرح جاهزة لظهور «البجع الأسود».

والظاهر أن عالمنا المعاصر لم يصبح فجأة بهذه الهشاشة، وإنما هناك عوامل عدة دفعت به في هذا المسار.

بداية؛ يمكن التأكيد على أن الترابط العولمي ترك بصمة واضحة على تشابك الحاجات الإنسانية، وهذه تعاظم شأنها في أطر من الرفاهية، جعلت فكرة «سلاسل الإمدادات» شأناً ضرورياً للشرق والغرب.

تالياً؛ أضحى التنافسُ الدوليُّ سمةً واضحةً، ولم يعد أحد، خصوصاً من الأقطاب الكبرى، يداري أو يواري رغبته في الهيمنة والقيادة.

عطفاً على ذلك، فإن نظرة سريعة على جغرافيا الكون تظهر لنا تعدد ساحات الصراع؛ من أوكرانيا شرقاً إلى فنزويلا غرباً، وبينها الهند وباكستان، وأميركا وإيران، من دون أن نغفل مأساة غزة، ومؤخراً يتحدث رئيس صربيا عن «هول أعظم قادم من جديد» في منطقة البلقان.

بجع نسيم طالب الأسود، وهشاشة الوضع الجيوسياسي العالمي، من الأوضاع التي ترتبت في واقع الحال جراء تجاوز النظام الدولي فكرة الصراعات العسكرية التقليدية، وصار اليوم في مواجهة نوازل غير مسبوقة.

خذ إليك، على سبيل المثال، مآلات الحروب السيبرانية، والدروب المخيفة المَاوَرَائِيَّة؛ تلك الكفيلة بقض مضاجع البشر.

أما عن عسكرة الفضاء، فحدث ولا حرج؛ مما يجعل الكوكب الأزرق ميداناً لرمي النار من بعيد. فيما الحروب الاقتصادية، تكاد تدفع في طريق الشعبويات والقوميات الصاعدة.

أما الطامة الكبرى، فموصولة بعالم يعيد من جديد إنتاج أفكار الحروب المذهبية والدينية، وكأن الإنسانية تتراجع أكثر من 8 قرون إلى الوراء.

هل يتوجب على صانعي السياسات في جميع أنحاء العالم أن يتأملوا ملياً في الوضع الراهن للعالم، وأن يستنقذوا البشر والحجر من بين أنياب سر الإثم؟

يقول الراوي إن هذا رهنٌ بوجود مؤرخين في المستقبل؛ ذلك أنه مع كل قنبلة تُلقَى، وكل صاروخ يطلَق، بجانب كل سفينة حربية تُستهدف بطوربيد، تقترب الأحداث من «نقطة الأوميغا»؛ أي «الصدمة الحاسمة» التي يمكن أن تطيح الوضع الجيوسياسي الهش.

الخلاصة: كل عملية عسكرية؛ تمارَس من أي قوة، هي «لعبة روليت روسية»؛ النصر فيها غير مضمون، فيما الموت وارد جداً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«البجع الأسود» والهشاشة الجيوسياسية الأممية «البجع الأسود» والهشاشة الجيوسياسية الأممية



GMT 19:58 2026 الخميس ,19 آذار/ مارس

تأنيث الجبهة

GMT 19:57 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

مضائق

GMT 19:53 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

«على كلاي» والقفز في سباق الحواجز النسائية!

GMT 19:46 2026 الخميس ,19 آذار/ مارس

السودان وتحدي توحيد السلاح

GMT 19:40 2026 الخميس ,19 آذار/ مارس

محاولات إطاحة رئيس البرلمان الليبي

GMT 19:38 2026 الخميس ,19 آذار/ مارس

جنوب لبنان يغيّر شرق المتوسط!

GMT 19:35 2026 الخميس ,19 آذار/ مارس

كبير البصّاصين... إسماعيل الخطيب

GMT 19:33 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

علي لاريجاني... الغرام القاتل

أناقة نجمات رمضان 2026 في منافسة لافتة خارج الشاشة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 13:44 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 04:44 2015 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

شركة ألعاب "إيرفكيس" الشهيرة تطلق ألعاب خاصة للفتيات

GMT 08:23 2016 الأربعاء ,06 إبريل / نيسان

انعم بجمال الطبيعة والهدوء في جزر الموريشيوس

GMT 00:38 2018 الجمعة ,14 كانون الأول / ديسمبر

نكشف تفاصيل الفضيحة الجنسية لمُضيفة الطيران المغربية

GMT 06:42 2018 الأربعاء ,15 آب / أغسطس

"الهضبة" يشارك العالمي مارشميلو في عمل مجنون

GMT 18:17 2018 الأربعاء ,14 آذار/ مارس

سدادة قلم تقتل طفلًا في مدينة أغادير المغربية

GMT 04:29 2017 الثلاثاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

المكتب الوطني للسياحة يلتقي وفد صحافي أميريكي في الصويرة
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib