الأجواء التى سادت المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب يومى الإثنين والثلاثاء الماضيين، إذا استمرت فى جولة الإعادة، وكذلك فى جولة إعادة المرحلة الأولى والـ١٩دائرة الملغاة، فيمكن القول إن غالبية التوقعات والتمنيات التى سبقت إجراء الانتخابات لن تتحقق، من دون أن يعنى ذلك أن معسكر الموالاة لن تكون له الأغلبية.
يوم الأربعاء الماضى كتبت فى هذا المكان مقالًا بعنوان «١١ ملاحظة مبدئية على انتخابات النواب» كانت متعلقة بأجواء اليوم الأول ونصف اليوم الثانى من الانتخابات، لكن اليوم اكتب انطلاقًا من نتائج الحصر العددى للنتائج، وأركز على كلمة «الحصر العددى»، فالنتائج الرسمية تعلنها الهيئة الوطنية للانتخابات، ناهيك عن حق أى مرشح فى الطعن على أى نتائج.
كان متداولًا على نطاق واسع قبل الانتخابات أن أحزاب «مستقبل وطن» و«حماة وطن» و«الجبهة الوطنية» سوف تحصد غالبية مقاعد المجلس، ليس فقط فى القوائم بحكم أنها مضمونة، لكن فى المقاعد الفردية أيضًا، والمؤكد أن عددًا كبيرًا ممن ترشح عن هذه الأحزاب على المقاعد الفردية كان يعتقد أن فرصه مضمونة إلى حد كبير، لكن ما عرفناه من نتائج الحصر العددى لا يؤيد هذه التوقعات.
على سبيل المثال فإن حزب «مستقبل وطن» خاض الانتخابات على ٦٥ مقعدًا، وفاز بـ٢٢ مقعدًا وخسر ٦ مقاعد ويخوض الإعادة على ٣٧ مقعدًا.
أما حزب «حماة وطن» فقد خاض الانتخابات، على ٣٥ مقعدًا وفاز بخمسة مقاعد فقط، وخسر عشرة مقاعد ويخوض الإعادة على ٢٠ مقعدًا.
فى حين أن حزب «الجبهة الوطنية» خاض انتخابات الفردى على ٢٣ مقعدًا، وفاز بأربعة مقاعد وخسر مثلها ويخوض انتخابات الإعادة على ١٥ مقعدًا، وهى نسبة جيدة بالنظر أن الحزب تأسس قبل أقل من عام فقط.
فى حين يخوض حزب الشعب الجمهورى جولة الإعادة بثلاثة مرشحين.
المفاجأة الحقيقية التى تنسف معظم توقعات ما قبل الانتخابات -ولا أقول كلها - هى «المستقلين»، الذين يخوضون الانتخابات بـ١١٦ مرشحًا، وهذا العدد أكبر من إجمالى عدد الأحزاب الثلاثة الكبرى الذين يخوضون جولة الإعادة بـ٧٢ مرشحًا فقط.
هذه الأرقام تؤكد بوضوح أنه رغم كل ما قيل عن تربيطات وضمانات وانفاقات، فهى لم تصمد على أرض الواقع فى العديد من الدوائر الفردية، والدليل هو صعود نجم المستقلين، حتى لو كان بعض هؤلاء المستقلين أعضاء أو نوابًا سابقين فى أحزاب كبرى، لأن الدلالة الأساسية هنا هى أنهم ترشحوا فى مواجهة الأحزاب الكبرى، التى ظن كثيرون أنه لن يتمكن أحد من التغلب عليهم.
من المفاجآت أيضًا أن الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى لم يوفق فى الفوز بأى مقعد أو حتى يدخل الإعادة، وهى مفاجأة حقيقية بالنظر إلى أن خطاب هذا الحزب سياسى بامتياز، مقارنة بالخطابات الخدمية لغالبية الأحزاب. فى حين أن العكس حدث مع حزب النور الذى تمكن من إيصال ثلاثة من مرشحيه الأربعة إلى جولة الإعادة. والملاحظة الجديرة بالتأمل هنا أن مرشحى الحزب السلفى تجاهلوا إلى حد كبير خلفيتهم السياسبة الدينية والأيديولوجية، وركزوا بالأساس على برامج خدمية.
وفى المقابل فإن حزب المؤتمر لم يصعد له فى جولات الإعادة سوى مرشح واحد من بين ١٩ مرشحًا خاضوا الانتخابات.
وبالطبع فهناك ملاحظة مهمة جدًا تحدث عنها كثيرون، وهى نجاح بعض المرشحين من الجولة الأولى غير محسوبين بالمرة على الأحزاب الكبرى، وهم ضياء الدين داود فى دمياط وأحمد فرغلى فى بورسعيد وإسلام أكمل قرطام فى دار السلام والبساتين إضافة إلى دخول نجوم معارضين أو مستقلين آخرين جولات الإعادة، ومنهم أحمد الشرقاوى فى المنصورة ومحمد زهران فى المطرية ومحمد عبدالعليم داود في كفر الشيخ وأحمد بلال البرلسى فى المحلة.
فى ظن كثيرين أن هذه الأجواء الإيجابية ما كانت لتتحقق لولا تدخل الرئيس عبدالفتاح السيسى ودعوته إلى انتخابات تعبر عن أصوات الشعب، حتى لو تطلب الأمر إلغاء الانتخابات جزئيًا أو كليًا. ويعتقد هؤلاء أن هذه الأجواء لو توافرت فى المرحلة الأولى، ربما لتغير المشهد إلى حد كبير للأحسن. أما النقطة الأكثر جوهرية التى تتطلب نقاشًا وبحثًا معمقًا من الجميع فهى تدنى نسبة المشاركة بصورة غير مسبوقة طبقًا للحصر العددى.