حرب السودان ومخطط شد الأطراف

حرب السودان ومخطط شد الأطراف

المغرب اليوم -

حرب السودان ومخطط شد الأطراف

بقلم : عثمان ميرغني

 

كلما حقق الجيش السوداني انتصارات تضع إمكانية نهاية الحرب في دائرة النظر، تُفتح ضده جبهة جديدة لتوسيع دائرتها وإطالة أمدها.

منذ وقت مبكر تدفقت إمدادات السلاح من الخارج عبر حدود عدد من دول الجوار، كما دخلت أعداد من المجندين من عرب الشتات، ومن المرتزقة، وتحولت بعض المناطق الحدودية إلى مراكز أساسية لإسناد «قوات الدعم السريع»، ومدها بالسلاح وجميع مستلزمات الحرب.

وعندما جرى تحييد بعض الدول، نتيجة عوامل داخلية ضاغطة (كما في حالة تشاد) أو بفعل ضغوط خارجية، كما حدث مع أطراف أخرى في الجوار، تم فتح جبهات جديدة على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان.

لذلك لم يكن مفاجئاً التصعيد الذي حدث في ولاية النيل الأزرق أخيراً؛ فقد رصدت منذ فترة تحركات من جنوب السودان بالتوازي مع ارتفاع ملحوظ في أعداد المرتزقة الجنوبيين المنضمين إلى صفوف «الدعم السريع»، كما تحولت بعض المناطق في الجنوب إلى مراكز لعلاج مصابي هذه القوات. ولم تمضِ فترة طويلة حتى ظهرت تقارير إعلامية موثقة تؤكد إقامة معسكر كبير داخل إثيوبيا لتدريب وإسناد «قوات الدعم السريع». كما نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية تحقيقاً استقصائياً عن رحلات جوية متواصلة، بلغت 36 رحلة خلال أربعة أشهر، من نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي لنقل السلاح إلى هذه عبر الأراضي الإثيوبية.

وكان الجيش السوداني قد وجَّه تحذيرات علنية لإثيوبيا، التي تمسكت بنفي أي تدخل في الحرب. غير أن المعارك التي اندلعت في مدينة الكرمك بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، إلى جانب الهجمات بالمسيرات على مدن سودانية أخرى قريبة من الحدود الإثيوبية، جاءت بمثابة تأكيد على سعي أطراف خارجية إلى فتح جبهات جديدة، بهدف تشتيت الجيش السوداني وتعطيل أي هجوم مرتقب على «الدعم السريع» في دارفور.

التصعيد في الكرمك لن يكون الوحيد ضمن سياسة «شد الأطراف» الرامية إلى إرباك الجيش السوداني وعرقلة خططه، وتخفيف الضغط عن «قوات الدعم السريع» المتراجعة في جبهات غرب السودان، لا سيما في إقليم كردفان؛ فقد أشار تحقيق «لوموند» إلى أن داعمي هذه القوات عملوا في الآونة الأخيرة على تفعيل ممرات إمداد بديلة لنقل السلاح عبر أفريقيا الوسطى وإثيوبيا. وذكر أن تسع رحلات جوية رُصدت خلال الشهر الماضي وحده لنقل السلاح والعتاد عبر هاتين الدولتين في عمليات وُصفت بأنها لإمداد «قوات الدعم السريع» لفتح جبهة الجنوب الشرقي.

إن سياسة شد الأطراف ليست وليدة اللحظة، بل بدأت مع اندلاع الحرب، وازدادت حدتها تدريجياً. والحقيقة أن مؤشرات مبكرة أوحت بأن هذه الحرب جزء من مخطط أوسع وأقدم يستهدف السودان.

في عام 1996، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كتاباً باللغة الإنجليزية، بعنوان «محاربة الإرهاب»، عرض فيه ملامح من رؤيته الأمنية لمواجهة ما وصفه بآيديولوجيا الإرهاب، متبنياً مقاربة تقوم على مبدأ «الوقاية خير من العلاج»، للتعامل مع الدول التي يراها داعمة للإرهاب، وإضعافها وعزلها، عبر العقوبات والعمل العسكري عند الضرورة. وكان السودان ضمن الدول التي أشار إليها، مثلما كان في قائمة أوردها آفي ديختر، وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق، في محاضرة أمام معهد دراسات الأمن القومي التابع بجامعة تل أبيب عام 2008، بعنوان «أبعاد الحركة الاستراتيجية الإسرائيلية القادمة في البيئة الإقليمية». وأوضح ديختر أن إسرائيل رأت، منذ خمسينات القرن الماضي، أن السودان، بما لديه من موارد، ومساحة شاسعة، وعدد سكان، يمكن أن يصبح دولة قوية مضافة إلى قوى الإقليم؛ ما استدعى، وفق هذا التصور، التدخل المبكر لإضعافه. وبحسب ما طرحه، شمل ذلك التدخل في حرب جنوب السودان حتى انفصاله، ثم في دارفور على أمل دفعها نحو الانفصال أيضاً.

إن ما يواجهه الجيش السوداني في الحرب الراهنة، يتجاوز قدرات «قوات الدعم السريع»، التي تتلقى إمدادات هائلة وأسلحة متطورة، مسنودة بتدخلات خارجية عملت على تطويق السودان عبر استعداء جواره، واستخدام عدد من الدول المحيطة به كمنافذ لإمدادات السلاح، وأحياناً كنقاط انطلاق لهجمات بالطائرة المسيرة الاستراتيجية.

في هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد صراع داخلي، بل أصبحت حلقة ضمن صراع إقليمي أوسع، تُستخدم فيه الميليشيات أدوات لتجنب التورط المباشر، وما قد ينجم عنه من تعقيدات.

ورغم ذلك يفضل كثيرون تجاهل أبعاده الاستراتيجية، ويتمسكون بسرديات تبسيطية من قبيل «حرب الجنرالين» أو «حرب الكيزان»، رافضين رؤية طبيعة الصراع الأعمق، والحرب الوجودية التي تستهدف السودان في ذاته، وكجزء من مخطط مستمر لزعزعة المنطقة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حرب السودان ومخطط شد الأطراف حرب السودان ومخطط شد الأطراف



GMT 00:25 2026 الجمعة ,27 آذار/ مارس

مصادفات باكستان

GMT 00:22 2026 الجمعة ,27 آذار/ مارس

إيران والبحث عن شجاعة الاستسلام!

GMT 00:20 2026 الجمعة ,27 آذار/ مارس

الهدر والجوع والعقلانية

GMT 15:18 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

وجها السقوط

GMT 15:18 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

نقاشٌ مع الكاتب العُماني عاصم الشيدي

GMT 15:15 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

يوم تهاوت المباني وصمدت التماثيل!

GMT 15:14 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

«النخب» الليبية وديمومة الخلاف والاختلاف

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

القاهرة - المغرب اليوم

GMT 15:54 2026 الخميس ,26 آذار/ مارس

أحمد مكي يتعاقد على بطولة عمل درامي جديد
المغرب اليوم - أحمد مكي يتعاقد على بطولة عمل درامي جديد

GMT 10:16 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

حاذر ارتكاب الأخطاء والوقوع ضحيّة بعض المغرضين

GMT 17:28 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

الوضع مناسبٌ تماماً لإثبات حضورك ونفوذك

GMT 17:05 2019 الجمعة ,27 كانون الأول / ديسمبر

4 تترات برامج بصوت بسنت بكر في خريطة «الراديو 9090» الجديدة

GMT 16:51 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تتيح أمامك بداية السنة اجواء ايجابية

GMT 07:30 2023 الثلاثاء ,03 كانون الثاني / يناير

حركة الطيران في أوروبا تستعيد 83 % من زخم 2019

GMT 19:18 2017 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

الإذاعي أحمد يونس يحاور أدهم سليمان في برنامج "كلام معلمين"

GMT 14:41 2022 الخميس ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

مخاوف من تحطم صاروخ فضائي صيني على الأرض خلال أيام
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib