كشف أثري تحوَّل إلى كارثة

كشف أثري تحوَّل إلى كارثة

المغرب اليوم -

كشف أثري تحوَّل إلى كارثة

زاهي حواس
بقلم : زاهي حواس

في يوم 26 يونيو (حزيران) عام 1954، كان الصحافيون ومراسلو وكالات الأنباء العالمية محتشدين، أو بمعنى أدق: مكتظين، في حجرة دفن الملك سخم خت (2648 – 2640 قبل الميلاد) أسفل هرمه بمنطقة سقارة، بالقرب من الهرم المدرج الشهير للملك زوسر مؤسس الأسرة الثالثة.

الجو خانق شديد الرطوبة، وكشافات الإضاءة التي يستخدمونها في ذلك الوقت لإدارة كاميراتهم الضخمة كانت تصدر لهيباً من النيران داخل الجو الخانق، والجميع يهتف ويزاحم محاولاً إزاحة من حوله من زملاء المهنة بمعداتهم، ليظفر بزاوية رؤية أفضل، لتسجيل الحدث الخطير المهم، والذي من أجله تحمَّلوا عناء القدوم من بلادهم خصيصاً في ذلك الصيف الخانق. نترك المشهد داخل حجرة دفن الملك سخم خت، ونعود بالزمن أسابيع قليلة، وتحديداً في بداية شهر مايو (أيار) من العام نفسه (1954) عندما استطاع أخيراً عالم الآثار المصري زكريا غنيم تنظيف الممر المؤدي إلى حجرة الدفن الملكية أسفل الهرم الذي اكتشفه منذ سنوات قليلة، ولم يكن أحد يعرف بوجوده من قبل، نظراً لكونه مهدماً إلى حد بعيد، وكان مدفوناً بالكامل أسفل رمال سقارة.

كانت لحظة الدخول إلى حجرة الدفن من اللحظات الحرجة في حياة زكريا غنيم الذي كان قلبه يخفق بشدة، وهو يسأل نفسه: هل بعد كل هذا العناء سنظفر بكشف مهم؟ أم أن كل شيء تمت سرقته أو تدميره في الماضي على يد لصوص المقابر؟ وأخيراً كان زكريا غنيم وعدد قليل من مساعديه داخل حجرة الدفن، ومساحتها 9 أمتار طولاً، و5 أمتار عرضاً، وارتفاع السقف نحو 5 أمتار. الحجرة منحوتة بالكامل في الصخر الطبيعي، وكانت تبدو فارغة ما عدا تابوت من المرمر المصري الجميل في منتصف أرضية الحجرة.

والمفاجأة التي كان زكريا غنيم يظنها سعيدة، وكاد قلبه يرقص فرحاً بها، أنه رأى طبقة من الملاط الأبيض تغلق ما بين غطاء التابوت الجانبي (في حالة تابوت سخم خت فهو باب) والصندوق الذي كان يعلوه إكليل من الورود والزهور والنباتات، ويعرف باسم «البوكيه» الجنائزي. كل شيء يؤكد أن التابوت مغلق، وأن مومياء صاحبه بداخله!

هنا سرح زكريا غنيم بخياله، وتخيل ما سوف يُحدثه هذا الكشف من ضجة عالمية: «الكشف عن أقدم مومياء ملكية في مصر عمرها 4600 سنة!». تخيل زكريا غنيم نفسه وقد أصبح أشهر عالم آثار في العالم، واسمه بجوار أسماء المكتشفين العظام، مثل: هيوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ أمون، وبيير مونتيه مكتشف كنوز تانيس الملكية.

لم يُضِع زكريا غنيم الوقت، وتحدث إلى قيادات مجلس الثورة، وعلى رأسهم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وبدلاً من التخطيط لإعلان الكشف في موسم الشتاء القادم مثلماً يفعل معظم الأثريين، لم يصبر غنيم، وقام بدعوة العالم كله للحضور إلى سقارة لحضور لحظة الكشف عن التابوت.

وبدأ الصحافيون والمراسلون والقنوات التلفزيونية وقنوات الراديو العالمية يفدون إلى مصر، ويعدُّون أنفسهم لليوم المشهود، يوم فتح التابوت.

نعود الآن للمشهد الأول: مئات من البشر مع أجهزتهم «محشورون» في الحجرة الضيقة لا يكادون يرون شيئاً من كثرة العرق المتصبب، والمكتشف زكريا غنيم وعماله يحاولون إيجاد مساحة لأنفسهم، لفتح الغطاء أو الباب الجانبي للتابوت الذي يفتح إلى أعلى من خلال مجرى في صندوق التابوت.

وأخيراً، يتم رفع الغطاء، ويصمت الجميع، وعيونهم شاخصة تنظر إلى داخل الصندوق: لا شيء! ليس هناك شيء! لا توجد مومياء! التابوت فارغ تماماً! هكذا بدأت همهمات الموجودين في الحجرة الضيقة، وهكذا بدأ الضحك يختلط بالحزن والبكاء.

كان هذا اليوم هو أسوأ كابوس عاشه زكريا غنيم الذي فقد حياته بعد بضع سنوات منتحراً في النيل، وتلك قصة أخرى نرويها فيما بعد.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كشف أثري تحوَّل إلى كارثة كشف أثري تحوَّل إلى كارثة



GMT 00:06 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

الإصلاح المستحيل: لماذا لا يملك خامنئي منح واشنطن ما تريد؟

GMT 00:03 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

المعاون الأنيس للسيد الرئيس

GMT 23:59 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

وأخيرا استجابت الهيئة..لا للأحزاب الدينية

GMT 23:59 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

تفاءلوا خيرًا أيها المحبطون !

GMT 23:56 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

سرُّ حياتهم

GMT 23:55 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

الحلُّ عندكم

GMT 23:52 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

كرة الثلج الأسترالية والسوشيال ميديا

GMT 23:51 2026 السبت ,24 كانون الثاني / يناير

عراقجي لزيلينسكي: لو غيرك قالها!

نجمات الدراما السورية يخطفن الأنظار بإطلالات راقية في حفل Joy Awards

الرياض - المغرب اليوم

GMT 12:19 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب
المغرب اليوم - حاكم كاليفورنيا يتهم تيك توك بقمع محتويات ناقدة لترامب

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 07:48 2025 الجمعة ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الجمعة 24 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 19:22 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تفتقد الحماسة والقدرة على المتابعة

GMT 09:47 2020 الثلاثاء ,04 شباط / فبراير

تزداد الحظوظ لذلك توقّع بعض الأرباح المالية

GMT 19:03 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

تشعر بالإرهاق وتدرك أن الحلول يجب أن تأتي من داخلك

GMT 07:54 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 15:22 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 18:50 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تتمتع بالنشاط والثقة الكافيين لإكمال مهامك بامتياز
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib