زيارة إلى كوكب الصين

زيارة إلى كوكب الصين

المغرب اليوم -

زيارة إلى كوكب الصين

زاهي حواس
بقلم - زاهي حواس

تلقيتُ دعوة من جامعة تشنغدو لإلقاء محاضرة والمشاركة فى ندوة علمية مع أساتذة كلية الهندسة حول كيفية بناء الأهرامات المصرية. ومدينة تشنغدو هى أحد أكبر المراكز التاريخية والثقافية بالصين كما أنها واحدة من المدن الاقتصادية المهمة وبها عدد من أهم الجامعات فى الصين وتقع فى الجنوب الغربى، وهى عاصمة مقاطعة سيتشوان، وتعرف بأنها موطن الباندا العملاق. بالفعل لبيت الدعوة وكلى أمل أن أتعرف عن قرب على ما يحدث بالصين التى أصبحت أيقونة التقدم العلمى والتكنولوجى والصناعى فى العالم كله وبدأ الناس حول العالم يطلقون عليها كوكب الصين العظيم. نظّمت الجامعة لى أسبوعًا حافلًا بالزيارات واللقاءات المهمة، التى فتحت لى نافذة جديدة على عالم مختلف فى تفكيره وفى حياته يعلمون جيدًا أنهم هم من سيقودون العالم الجديد الذى بات يتشكل من حولنا. سألت أحد الأساتذة عن السر وراء ما حدث فى الصين؟ أجاب بأن الصين فتحت أبوابها فى الثمانينيات أمام العالم، انفتاح اقتصادى مشروط بقوانين صارمة للغاية، لا تمنح امتيازات خاصة لأحد، لا توجد محسوبية ولا مجاملات، رضينا بأن نكون مصنع العالم نقدم مجهودنا وتعبنا للعالم بأرخص الأسعار لكن كنا ننقل التكنولوجيا ونوطن الصناعات ونطور التعليم لنتمكن من الانتقال من مرحلة التقليد إلى الإبداع والابتكار. تلك هى الوصفة، وهذا هو السر.

يبلغ عدد سكان مدينة تشنغدو نحو 24 مليون نسمة. وقد وفّرت الحكومة ملايين الدراجات الهوائية التى يمكن استئجار الدراجة الواحدة منها بنحو دولار واحد أسبوعيًا. أما الدراجات النارية فلا يمكن استئجارها إلا برخصة قيادة، وخُصصت لها مسارات مستقلة. ورغم كل ذلك، فإن عدد السيارات كبير، وتبدو الشوارع مزدحمة بصورة دائمة، لكنها منظمة. فأكثر ما يلفت الانتباه فى هذا الشعب هو مستوى الانضباط الشديد؛ فأذكر أن المرافق المكلف من الجامعة حضر إلىّ متأخرًا ثلاث دقائق فقط، وظل الشاب يعتذر مرارًا وتكرارًا عن هذا التأخير.

زرت موقع سانشينغدوى (Sanxingdui) الأثرى المهم، وبه متحف رائع يحمل الاسم نفسه. ويُعد هذا الموقع من أهم المواقع الأثرية فى المنطقة، إذ يعود إلى العصر البرونزى منذ نحو ثلاثة آلاف عام. ويشتهر بتماثيله البرونزية الضخمة والتحف الدينية الفريدة، التى تحمل رموزًا مثيرة للاهتمام وأيقونات بصرية مبكرة. وخلال زيارتى للمتحف، لاحظتُ إقبالًا كبيرًا من المواطنين المهتمين بتراثهم وتاريخهم. كان يوجد داخل المتحف أكثر من عشرة آلاف زائر، بينما يصل العدد خلال الإجازات والأعياد إلى نحو عشرين ألف زائر يوميًا. ويبلغ سعر التذكرة نحو خمسة دولارات فقط للجميع، سواء المواطنين أو السائحين. أما خلال فصل الشتاء، فيقل عدد الزائرين بشكل ملحوظ. وهناك استقبلنى مدير الموقع الأثرى وسألته: هل يُسمح بإقامة حفلات زفاف أو عروض ألعاب نارية فى الموقع؟ وكانت إجابته بأن أى نشاط حديث ممنوع تمامًا بجوار المواقع الأثرية، بل إن السكان المجاورين للموقع يتعاملون معه باحترام شديد، نظرًا لوجود قوانين صارمة لحماية الآثار.

وبالعودة إلى مدينة تشنغدو، فقد اختارتها منظمة اليونسكو كـ «مدينة للطهى»، لما تشتهر به من مطبخ سيتشوان الأصيل وأطباق «القدر الساخن» الشهيرة. وتضم المدينة مطاعم من أشهر المطاعم الصينية، وتجذب خلال فصل الصيف أعدادًا كبيرة من السائحين من مختلف أنحاء العالم.

شملت الزيارة أيضًا أحد أهم مواقع التراث العالمى لليونسكو، وهو محمية جيوتشايقو، التى تُعد من أروع المواقع الطبيعية فى المنطقة. وتشتهر ببحيراتها وشلالاتها وغاباتها، كما تعكس ثقافة وتقاليد المرتفعات الصينية، فى تباين روحى وبصرى رائع مع المناطق المنخفضة، وهو ما منح المدينة شهرتها العالمية. وتم ترتيب زيارة لى إلى مركز تشنغدو لحماية الباندا العملاقة، وهو الحيوان الأشهر فى العالم. وهناك وجدتُ جنة الباندا كما يطلقون عليه، وشاهدت المئات من دببة الباندا النادرة.

وفى اليوم المخصص لزيارة الجامعة، التى تضم نحو 40 ألف طالب، إضافة إلى 20 ألف طالب دراسات عليا، و15 ألف طالب دكتوراه. وقد نظّمت الجامعة لقاءً مع الطلاب، تحدثتُ فيه عن الأهرامات والمومياوات والمدينة الذهبية، وعُرض فيلم مدته عشر دقائق عن مسيرتى العلمية. وحرصتُ على التحدث ببطء حتى يتمكن الطلاب من فهم ما أقول، ولاحظتُ اهتمامًا كبيرًا وتفاعلًا واضحًا مع المحاضرة. بعد ذلك، عقدتُ لقاءً علميًا مع أساتذة كلية الهندسة، ناقشنا خلاله النظريات المختلفة لبناء الأهرامات فى حوار علمى مثمر.

وفى اليوم الأخير، قمتُ بجولة لزيارة معالم أخرى فى المدينة، خاصة ميدان «تيان فو» الواقع فى قلب تشنغدو، والذى يعج بالملايين من المواطنين. كما زرتُ شارعًا جميلًا مخصصًا للمشاة فقط، يتميز بألوانه الزاهية، ويغلب عليه اللون الأحمر المنتشر فى المحال التجارية. وعندما سألتُ مرافقى عن سبب حب الصينيين لهذا اللون، أجابنى قائلًا: «هذا هو دم أجدادنا فى الحروب القديمة». وفى نهاية الرحلة، لم أرَ ازدحامًا فى أى مكان فى العالم يشبه ازدحام مطار تشنغدو. فإجراءات التفتيش متعددة وصارمة، ويكفى أن يكون داخل حقيبة السفر عود ثقاب واحد، حتى تُجبر على فتح الحقيبة بالكامل. إنه بالفعل كوكب الصين العظيم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زيارة إلى كوكب الصين زيارة إلى كوكب الصين



GMT 09:33 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

على حافة الهاوية!

GMT 09:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

خطاب إلى رئيس الوزراء!

GMT 09:26 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

«ترمومتر» اسمه المرأة في «برلين»

GMT 09:23 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

الإعلام الغائب

GMT 09:16 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

داخلين على لجنة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 11:19 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
المغرب اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 11:30 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
المغرب اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 14:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل
المغرب اليوم - وول ستريت جورنال تراجع إيران يفاقم عزلة إسرائيل

GMT 02:09 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني
المغرب اليوم - زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني

GMT 11:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات
المغرب اليوم - عنصران في المياه قد يصنعان فرقاً في صحة العضلات

GMT 12:21 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل
المغرب اليوم - يسرا تكشف رأيها في خوض محمد سامي تجربة التمثيل

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:07 2025 الخميس ,06 شباط / فبراير

تشو سائقاً احتياطياً في فيراري

GMT 08:31 2020 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

مصرع محام بعد اندلاع حريق مهول ببيته في الجديدة

GMT 10:33 2020 الخميس ,21 أيار / مايو

لائحة بأفكار هدايا عروس مميزة

GMT 19:01 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

أحمد السقا ومها الصغير في قلب عاصفة الطلاق

GMT 16:15 2021 الأربعاء ,28 إبريل / نيسان

لهذه الأسباب أسعار اللحوم الحمراء مرتفعة

GMT 12:43 2019 الخميس ,05 أيلول / سبتمبر

مجيد بوقرة يبعث رسالة مؤثرة إلى صديقه حليش

GMT 09:47 2019 الثلاثاء ,05 شباط / فبراير

قائمة نيويورك تايمز لأفضل الكتب الشعرية

GMT 16:10 2020 الخميس ,23 تموز / يوليو

تعرف علي أغنيات ألبوم مدحت صالح الجديد

GMT 02:09 2018 الأربعاء ,17 تشرين الأول / أكتوبر

معلومات عن مايك بومبيو وزير الخارجية الأميركي

GMT 01:50 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

"سامسونغ" تطلق هاتفًا بـ 4 كاميرات خلفية

GMT 04:00 2018 الخميس ,16 آب / أغسطس

خطوات بسيطة لوضع مكياج جرئ في العيد

GMT 05:08 2016 الإثنين ,25 كانون الثاني / يناير

قائمة أفضل الشخصيات المؤثرة في بريطانيا "ديبريتس"
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib