زيارة لم تبدّد قلقَ نتنياهو

زيارة لم تبدّد قلقَ نتنياهو

المغرب اليوم -

زيارة لم تبدّد قلقَ نتنياهو

سام منسي
بقلم : سام منسي

يتعذّر وصف زيارة بنيامين نتنياهو إلى واشنطن الأسبوع الماضي بالناجحة أو الفاشلة دون معرفة خبايا لم تُعلن عن الاجتماع مع الرئيس دونالد ترمب، ومن السذاجة أيضاً الاعتقاد أن التباينات، مهما بلغت، قد تخرب العلاقة المتينة بين الطرفين. هذا لا يمنع تصاعد قلق إسرائيل من المفاوضات الجارية مع إيران، لا لأن التفاوض بحد ذاته مفاجأة، بل لأن السياق الإقليمي والدولي الذي يجري فيه يضعها أمام معادلة حرجة: احتمال عودة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران بدعم إقليمي، في لحظة تشعر فيها بأن قدرتها على فرض مقاربتها الأمنية الأحادية تتآكل.

القلق الإسرائيلي لا يتركز فقط على مضمون أي اتفاق محتمل، بل على فكرة الاتفاق نفسها. فمنذ سنوات، بُنيت العقيدة الأمنية الإسرائيلية على منع إيران من التحول إلى قوة نووية كامنة أو «دولة عتبة»، وعلى إبقاء الملف الإيراني ضمن خانة التهديد الوجودي الذي يبرر سياسات الردع القصوى. أي مسار تفاوضي يعيد إدماج إيران تدريجياً في النظام الدولي تنظر إليه إسرائيل كأنه مس مباشر بهذه العقيدة، حتى لو تضمن قيوداً على البرنامج النووي.

تجربة الاتفاق النووي لعام 2015 لا تزال حاضرة بقوة في الوعي السياسي الإسرائيلي. بالنسبة لتل أبيب، لم يُنهِ الاتفاق الخطر بل أجّله، وسمح لإيران بالتقاط أنفاسها اقتصادياً وسياسياً من دون معالجة سلوكها الإقليمي أو برامجها الصاروخية. اليوم، تخشى إسرائيل حدوث سيناريو مشابه يخفف الضغوط الاقتصادية عن إيران ويتيح لها إعادة تنظيم نفوذها الإقليمي، في ظل رغبة أميركية لصفقة تخفض التوتر وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.

والقلق الإسرائيلي لا يتعلق بإيران وحدها، بل بالتحول في المقاربة الأميركية نفسها. فالمفاوضات تعكس توجهاً أوسع في واشنطن نحو إدارة الصراعات بدل حسمها، وتفضيل التسويات المرحلية على المواجهات المفتوحة. هذا المنطق يتعارض مع الرؤية الإسرائيلية القائمة على الضغط المستمر والردع العسكري ومنع الخصم من إعادة التموضع. لذلك، أي تقارب أميركي - إيراني يُقرأ في تل أبيب كأنه إشارة إلى تراجع الاستعداد الأميركي لاعتماد الخطوط الحمراء الإسرائيلية بوصفها مرجعية مطلقة.

يضاف إلى ذلك تباين مواقف الدول العربية التي لا تشارك إسرائيل مستوى القلق نفسه إزاء المفاوضات، إذ يرى عدد منها أنها وسيلة لخفض منسوب التوتر الإقليمي، لا أنها تهديد مباشر لأمنه واستقراره. في ظل أولويات عربية باتت تركز على الاستقرار الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وضبط المخاطر.

مع مقاربة أميركية لا تأخذ بالكامل الهواجس الإسرائيلية بالاعتبار، وفي ظل واقع إقليمي جديد يتميز بعلاقات تطبيعية قائمة مع البعض دون أن تتحول تلقائياً إلى تحالفات استراتيجية صلبة عند كل منعطف أمني، يتعمق قلق إسرائيل ليتجاوز مضمون المفاوضات ويطول موقعها في المعادلة الإقليمية والدولية. تل أبيب التي اعتادت لعب دور الطرف المُقرر في ملفات الأمن والردع، تجد نفسها اليوم أسيرة توازنات لا تتحكم فيها وحدها، وأمام مسار تفاوضي يُدار فوقها ولا تسيطر على إيقاعه، حتى يبدو القلق في كثير من الأحيان تعبيراً عن فقدان السيطرة.

ومع تفاقم الانقسام السياسي والمجتمعي، يبرز البُعد الداخلي الإسرائيلي في تفسير القلق من مسار المفاوضات إذ باتت المخاوف منها انعكاساً لأزمة داخلية بقدر ما هي هواجس أمنية. في هذا السياق، تعيد حكومة نتنياهو توظيف «الخطر الإيراني» لإنتاج حد أدنى من الإجماع وتأجيل الخلافات حول القيادة ومستقبل النظام السياسي، في سلوك يكشف مأزقاً بنيوياً: حكومة تكتفي بإدارة مناخ القلق وتغذيته سياسياً بدل بلورة رؤية استراتيجية طويلة الأمد للتعامل مع التحولات الإقليمية.

هل تملك إسرائيل بدائل فعلية عن سياسة القلق والتصعيد؟ تبدو الخيارات محدودة: فالحرب كما يفضلها نتنياهو تكلفتها باهظة وتبدو غير مرجحة، والضغط السياسي على واشنطن له سقوفه، والرهان على جبهة إقليمية موحدة يتآكل.

غير أن ضيق البدائل لن يغير سياسة نتنياهو القائمة على معادلة بسيطة: إما تسويات تصاغ وفق توقيته وعلى قياس حساباته السياسية والشخصية، وإما الحلول الرمادية: إنهاك «حماس» دون القضاء عليها، وتقويض قدرات «حزب الله» وتركه قادراً على زعزعة استقرار لبنان، وتقليم أظافر إيران دون نزعها من المعادلة الإقليمية.

في ظل هذه المعطيات، قد يسعى نتنياهو إلى دفع واشنطن نحو صيغة وسط: إبرام اتفاق يركز على الأنشطة النووية بما يمنح ترمب إنجازاً يريده ومخرجاً من الحرب، مقابل هامش أوسع لإسرائيل للتحرك عسكرياً ضد الصواريخ والأذرع الإيرانية المحيطة بها. أي تسوية مؤقتة ترضي الطرفين لكنها تؤجل الإشكال بدل حسمه.

بالمحصلة، القلق حالة دفاعية تستثمر لكنه لا يشكل سياسة ولا استراتيجية بديلة تواكب التحولات المتسارعة، ما يبدده هو الأمر الذي ترفضه إسرائيل: انخراطها في سلام إقليمي شامل ودائم، والقبول بالعيش إلى جانب كيان فلسطيني مستقل يعيد للفلسطينيين بعضاً من حقوقهم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زيارة لم تبدّد قلقَ نتنياهو زيارة لم تبدّد قلقَ نتنياهو



GMT 15:35 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

احتمالات التطور في الملف الإيراني

GMT 15:30 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

منظومة زرع الأعضاء وبنك الجلد في إسرائيل

GMT 13:01 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

السُّقوط الثَّاني

GMT 12:58 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوع... لو أباحت بما لديها الطُلولُ!؟

GMT 12:26 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

أوروبا في عين أميركا المحافظة

ميريام فارس تخطف الأنظار بإطلالات ملكية في الرياض

الرياض - المغرب اليوم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:28 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تملك أفكاراً قوية وقدرة جيدة على الإقناع

GMT 05:14 2025 الإثنين ,13 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الإثنين 13 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 01:08 2018 الخميس ,21 حزيران / يونيو

برج العرب يرتقي بمفهوم العطلات الصيفية الفاخرة

GMT 20:11 2018 الأربعاء ,19 أيلول / سبتمبر

نهضة بركان يحدد أسعار تذاكر مباراته أمام فيتا كلوب

GMT 17:27 2017 الإثنين ,25 كانون الأول / ديسمبر

صفقة دفاعية تشعل الصراع بين كبار فرق البريميرليغ

GMT 12:59 2017 الخميس ,08 حزيران / يونيو

محمد سهيل يدرب الوداد البيضاوي بدل عموتة

GMT 04:39 2017 الجمعة ,28 تموز / يوليو

تبدأ مرحلة جديدة وعساك تحدّد أولويات مهمّة

GMT 02:09 2024 الأربعاء ,20 آذار/ مارس

موضة التصميم الداخلي للأقمشة لعام 2024

GMT 16:07 2024 الأربعاء ,10 كانون الثاني / يناير

منتجعات التزلج الأكثر شهرة وجاذّبية في أوروبا

GMT 16:49 2023 الثلاثاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

افتتاح تداولات بورصة الدار البيضاء بأداء متباين

GMT 15:30 2021 السبت ,25 كانون الأول / ديسمبر

لجنة الدعم السينمائي المغربي تعلن عن النتائج

GMT 11:46 2021 الأحد ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

أشرف حكيمي يعلق على أول هدف لميسي مع باريس سان جيرمان

GMT 14:46 2020 السبت ,24 تشرين الأول / أكتوبر

كيفية صنع عطر الورد بالمنزل
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib