إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

المغرب اليوم -

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

سام منسى
بقلم : سام منسى

بعد رفضِ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الردَّ الإيراني على مقترحاتِ واشنطن لإجراء محادثاتِ سلام لإنهاء الحرب، واعتبار طهران المطالبَ الأميركية «غير معقولة»، بعدما يقارب الشهرين على اندلاع الحرب، لم يعد مبالغاً القول إنَّ إيران تواجه الأميركيين وتتصرَّف بمنطق المنتصر الذي يضع شروطَه، بينما تبدو واشنطن متردّدة بين مقترحات وإجراءات قصيرة النفس وتتغير باستمرار.

أول ما يتبادر إلى الذهن هو كيفَ لدولة مثل إيران، حتى لو كانت بأحوال عادية، أن تواجه حرباً مثل ما شهدناه على جولتين في يونيو (حزيران) 2025، والحرب الأخيرة، ولا تزال قادرة على إملاء شروطها على أميركا وإسرائيل، وآخرها -حسب وسائل الإعلام- شرط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان لوقف الحرب.

لم يعد مجدياً تكرار القول للأميركيين والغربيين بعامة، إنَّ مفاهيم الربح والخسارة مختلفة عند حكام طهران وحلفائها/الوكلاء المنتشرين في المنطقة. ففي منطق الأنظمة العقائدية، لا يُقاس النَّصر بحجم الخسائر فقط، بل بالصمود وقدرة النظام الحاكم على البقاء متماسكاً ولو في الظاهر، والإمساك بالأوضاع الداخلية وسط عدم استقرار أمني وأحوال اقتصادية ومعيشية بائسة. الزهو الإيراني يغلب على أي نية للاستسلام أو حتى لتنازلات جدية. إلى ذلك، يبدو أنَّ أركان النظام مستعدون لمواجهة عسكرية جديدة تهدف إلى المزيد من الضغوط.

لعلَّ إيران مقتنعة بأنَّ عامل الوقت لصالحها، على عكس الإدارة الأميركية التي تواجه أكثر من معضلة واستحقاق. نبدأ بالاقتصاد وأسعار النفط، ثم الانتخابات النصفية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ثم التباين في الموقف من الحرب نفسها داخل الحزبين «الديمقراطي» و«الجمهوري»، وأخيراً وليس آخراً، العطب الرئيسي، وهو عدم وجود رؤية استراتيجية لأهداف هذه الحرب كما لما بعدها.

هل تريد واشنطن إسقاط النظام؟ كل المؤشرات تنفي ذلك. تغيير سلوكه؟ هذا صعب لأنَّ سلوك النظام الإيراني لا يرتبط فقط بقرارات سياسية ظرفية يمكن تعديلها بسهولة، بل ببنية آيديولوجية وأمنية واقتصادية متشابكة تجعل تغيير هذا السلوك مكلفاً بالنسبة للنظام نفسه. وقف تخصيب اليورانيوم؟ المهمة معقدة أيضاً، لأنَّ التخصيب بالنسبة لإيران يرتبط بالسيادة والأمن والتوازن الإقليمي، لا ببرنامج تقني فحسب، ولذلك يُنظر إلى التخلّي عنه كتنازل عن عنصر استراتيجي أساسي. أمَّا وضع قيود على برنامج الصواريخ الباليستية، فربما يكون الأصعب، لأنَّه يشكل العمود الفقري لعقيدة الردع الإيرانية، في ظل غياب سلاح جوي يوازي خصومها، ما دفعها إلى بناء قوتها على الصواريخ والمسيّرات والشبكات الحليفة. والتخلي عن الوكلاء الإقليميين لا يقل تعقيداً، لأنَّ هذه الشبكات ليست مجرد أدوات نفوذ خارجية، وليست ملحقاً يمكن الاستغناء عنه بسهولة، بل جزء أساسي من العقيدة الأمنية والاستراتيجية، وأحد أعمدة حماية النظام نفسه، وهذا ما يُفسر ربط طهران بين انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان وأي تسوية. أما مضيق هرمز، فقد تحوّل إلى ورقة قوة تُعادل القنبلة النووية، حسب محمد مخبر مستشار المرشد.

من المرجح ألا تقبل الولايات المتحدة بالشروط الإيرانية، وحتى لو ساومت على بعضها فإنَّ إسرائيل، بحكومتها الحالية أو أي حكومة أخرى، لن توافق عليها. وأمام واشنطن خيارات كلها مكلفة: إما الخروج من الحرب باتفاق يراعي بعض الخطوط الحمراء الإيرانية، وإما تجنب التصعيد العسكري مقابل تشديد العقوبات والعزل الاقتصادي، وهو خيار بطيء وغير مضمون النتائج، وإما المضي نحو ما تعتبره «نصراً استراتيجياً» عبر استكمال المواجهة التي بدأت عملياً منذ «طوفان الأقصى» وتكرست مع حرب 2025.

إزاء هذه الوقائع هناك شعور بالقلق في المنطقة، لأنَّها الساحة التي قد تدفع تكلفة المسارات كلها: استمرار الحرب يعني تهديداً مباشراً للطاقة والموانئ والملاحة، والعودة إلى ما قبل 2023 تعني استئناف سياسة الاستنزاف وزعزعة الاستقرار الإيرانية. لذلك لم تعد المسألة ماذا تريد واشنطن من إيران فقط، بل أي إيران ستبقى: دولة قابلة للردع والتسويات، أم نظام يلوّح بالنووي والصواريخ والوكلاء ومضيق هرمز بوصفه منظومة ضغط واحدة؟

التجارب الأميركية في المنطقة غالباً ما تعثرت، لكن هذه المرحلة تتيح فرصاً يمكن لترمب استغلالها لإحداث اختراقات عدة تُمهد لاحتواء إيران وتطويقها ودفعها لتغيير سياساتها: العودة إلى اجتماع نيويورك ومقررات قمة شرم الشيخ. إكمال ما بدأه في غزة وإنهاء الحرب بما يُعيد مسار حل الدولتين. دعم سوريا وتقديم مساعدات اقتصادية وأمنية تُحصن النظام الجديد لينخرط في السلام وأمن الإقليم. دعم جدي للبنان يُحفّز العرب للعودة إليه ومساعدته للتخلص من هيمنة إيران و«حزب الله» للتقدم في المفاوضات مع إسرائيل. هذه الفرص النادرة مضافة إلى خسائر إيران الجسيمة خلال السنتين الماضيتين، وتراجع نهج «الدفاع المتقدم» بعد وصول الحرب إلى الداخل، والأزمة الاقتصادية، وخسارتها سوريا، وإضعاف وكلائها، وتراجع هامش المناورة الروسي والصيني وصعود مشروع الربط الاقتصادي - الأمني بالمنطقة. إذا أحسن ترمب استثمار هذه التحولات، فقد يُحقّق ما عجزت عنه الحروب بتطويق إيران بالقوة الناعمة، بدل إسقاطها بالقوة العسكرية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم



GMT 00:41 2026 السبت ,23 أيار / مايو

سرُّ الصفعة الرئاسية

GMT 00:40 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا من «بيرل هاربر» إلى 11 سبتمبر

GMT 00:39 2026 السبت ,23 أيار / مايو

هل مشكلة إيران في زيادة عدد الشعب؟

GMT 00:38 2026 السبت ,23 أيار / مايو

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

GMT 00:37 2026 السبت ,23 أيار / مايو

مأزق القرار في طهران

GMT 00:36 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

GMT 23:59 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

هدنة أسوأ من الحرب

GMT 23:57 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

جبهة إيران العراقية

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 08:41 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

تتويج الأسترالي برنارد توميتش ببطولة شينغدو للتنس

GMT 14:14 2014 الإثنين ,10 شباط / فبراير

مكيلروي يتقدم في تصنيف لاعبي الجولف المحترفين

GMT 12:31 2021 الأربعاء ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

احتفال دنيا بطمة مع أسرتها يشعل مواقع التواصل الاجتماعي

GMT 17:53 2019 الثلاثاء ,17 كانون الأول / ديسمبر

نادي كوبنهاغن يُعلن رحيل المهاجم نيكلاس بيندتنر عن صفوفه

GMT 18:26 2017 الأحد ,29 كانون الثاني / يناير

حفل زفاف ينتهي بجريمة قتل في مراكش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib