أين ستتجه أوروبا المأزومة

أين ستتجه أوروبا المأزومة

المغرب اليوم -

أين ستتجه أوروبا المأزومة

الدكتور ناصيف حتّي*
بقلم: الدكتور ناصيف حتّي*

سؤال صار يطرح بقوة اليوم ويتعلق بمستقبل «الحلف الغربي» وتحديداً بالتحالف الاستراتيجي الأميركي الأوروبي، الذي من أهم أركانه منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ومستقبل هذا التحالف بعد الأزمة المتعددة الأوجه التي انفجرت مؤخراً. صاعق التفجير بالطبع تمثل بمستقبل الحرب في أوكرانيا. ما حدث من صدام في القمة الأميركية الأوكرانية في واشنطن واللغة والتحذيرات التي اتسم بها خطاب ترمب ونائبه مع زيلينسكي، لغة بعيدة كل البعد عن اللغة الدبلوماسية، شكلت صاعق التفجير الذي أشرنا إليه والذي كان منتظراً حدوثه مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض.

وتبع ذلك القمة الأوروبية التي استضافتها لندن على عجل لتعبئة الموقف الأوروبي دعماً لأوكرانيا في وجه سياسة الصدمات التي يمارسها بشكل متزايد «الأخ الأكبر» الأميركي تجاه ما يفترض أن يكون استراتيجية غربية مشتركة في مواجهة الخطر الروسي. يمثل ذلك أحد أوجه الصدام المتزايد في البيت الغربي الذي بدأه الرئيس ترمب في الاقتصاد والتجارة والسياسة، والأولويات في المصالح والعلاقات والمقاربات المتصادمة تجاه ما يفترض أن تكون مصالح حيوية أو قضايا استراتيجية مشتركة في البيت الغربي. البيت الذي صارت التشققات في جدرانه تهدد بسقوطه. من الأمور المثيرة للاهتمام أن بريطانيا كانت قد تركت الاتحاد الأوروبي لأسباب اقتصادية وسياسية وتجارية بشكل خاص. ساهم بذلك سبب أساسي وهو انتماؤها الأولي إلى «البيت الأطلسي» على حساب انتمائها الأوروبي، بسبب العلاقة الخاصة ذات الطابع المتعدد الأبعاد مع واشنطن.

بريطانيا هذه لم تحتمل صدمة ترمب في المسألة الأوكرانية فوجدت نفسها بعيدة عن واشنطن وملتصقة بـ«الأسرة الأوروبية» في مواجهة ما تعتبره أحد التحديات الأمنية، بالمفهوم الشامل للأمن، لأمنها المباشر وأمن محيطها الغربي، والمتمثل بالحرب الروسية ضد أوكرانيا. أحد أوجه رد الفعل الأوروبي أيضاً أو الاستنفار الأوروبي، بعد توجه واشنطن لعقد صفقة ثنائية مع موسكو لتسوية الأزمة الأوكرانية، دون أن يعني ذلك بالطبع الوصول إلى نتيجة في وقت قريب، العودة إلى نفض الغبار عن السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي.

السياسة التي تشكل أحد أهم أركان عملية البناء الأوروبي، والتي تم تهميشها وسقطت من جدول الأولويات الأوروبية الفعلية. وفي هذا السياق دعت رئيسة المفوضية الأوروبية من بروكسل إلى زيادة الإنفاق العسكري الأوروبي إلى حدود 800 مليار يورو سنوياً مع ما يحمله ذلك من ضغوطات على عدد من الاقتصادات المنهكة في أوروبا. في السياق نفسه بدأت أصوات أوروبية وخاصة من طرف فرنسا تتحدث عن ضرورة البحث في إقامة «مظلة نووية أوروبية»، وهو ما يعكس بشكل واضح تراجع أو اهتزاز الثقة بالدور الأميركي في هذا الخصوص وفي إطار حلف الناتو. ما يزيد من مرارة الأوروبيين أن واشنطن تتعامل معهم وكأن مستقبل أوكرانيا لا يعني الأمن الأوروبي، حتى يشارك الأوروبيون إلى جانب واشنطن في مسار دبلوماسية التسوية وشروط تحقيقها.

والمثير للاهتمام أن اليمين الأوروبي المتشدد، الذي يزداد قوة وانتشاراً في أوروبا بسبب الأزمات المتعددة الأوجه والدرجات بين بلد وآخر، التي يتغذى عليها هذا اليمين من خلال خطابه التبسيطي والاختزالي والشعبوي، يبدي تفهماً أو تأييداً أو تعاطفاً بدرجات مختلفة مع سياسة ترمب بسبب التقارب معه في الرؤية للمشكلات القائمة وفي الحلول المطلوبة لمعالجتها.

فإذا كانت أوكرانيا تشكل الأولوية الاستراتيجية للأمن الأوروبي في مواجهة روسيا العائدة بقوة لتعزيز نفوذها في القارة القديمة، حيث إن تسوية هذه الأزمة ستحكم دون شك ميزان القوى في تلك القارة، فإن تراجع الاهتمام الأميركي مع ترمب في «المسرح الاستراتيجي الأوروبي» لمصلحة إعطاء الأولوية للخطر الذي تشكله الصين الشعبية في «مسرح المحيطين» وفي العالم، يشكل أهم أوجه الخلاف في البيت الاستراتيجي الغربي بين واشنطن من جهة، وحلفائها الأوروبيين من جهة أخرى. ويرى أكثر من مراقب أن هذه الأزمة قد تشكل حافزاً أساسياً وضاغطاً لإعادة إحياء «الاستقلالية الاستراتيجية» الأوروبية، التي كانت تشكل دائماً أحد أهم أهداف عملية البناء الأوروبي.

قد تذهب أوروبا في هذا الاتجاه، الذي دونه الكثير من العوائق، إذا ما توفر توافق الحد الأدنى العملي المطلوب في البيت الأوروبي، الذي بقدر ما توسع بقدر ما ازدادت تحدياته الداخلية في مجالات مختلفة، وكذلك تكاليف مواجهة هذه التحديات. أوروبا اليوم على مفترق طرق، والمستقبل غير البعيد سيدل على الطريق الذي ستسلكه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أين ستتجه أوروبا المأزومة أين ستتجه أوروبا المأزومة



GMT 19:50 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

الحلم الإيراني والعتمة الكوبية

GMT 19:48 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

جمرٌ متوهّجٌ تحت رماد المفاوضات

GMT 19:19 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

إيران ترفض الهزيمة وواشنطن لا تحسم

GMT 19:14 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

مهرجان «كان»... قصة ولَّا مناظر

GMT 19:11 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

من مساخر العالم

GMT 19:09 2026 الإثنين ,18 أيار / مايو

حرب فلسطين العربية

GMT 18:15 2026 الأحد ,17 أيار / مايو

ذكرى النكبة

10 نجمات عربيات يخطفن الأنظار في مهرجان "كان" 2026

باريس ـ المغرب اليوم

GMT 09:02 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور
المغرب اليوم - ريهام عبد الغفور, أشرف عبدالغفور

GMT 21:39 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أجواء حذرة خلال هذا الشهر

GMT 20:33 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تواجهك أمور صعبة في العمل

GMT 12:16 2014 الأربعاء ,26 تشرين الثاني / نوفمبر

بسكويت محشي بالقشطة

GMT 14:03 2021 الإثنين ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

شركة هواوي تطلق الهاتف الذكي الجديد "نوفا 9"

GMT 07:54 2019 الإثنين ,14 كانون الثاني / يناير

الأمير هاري وزوجته يغيبان عن عيد ميلاد كيت ميدلتون

GMT 06:22 2014 السبت ,31 أيار / مايو

سُحِقت الإنسانيّة.. فمات الإنسان

GMT 06:17 2014 الجمعة ,26 كانون الأول / ديسمبر

ارتفاع أسعار الطماطم ومهنيو الزراعة يحذرون من الوسطاء

GMT 16:26 2023 الأربعاء ,01 آذار/ مارس

أرباح "طنجة المتوسط" تلامس مليار درهم

GMT 03:18 2020 السبت ,18 تموز / يوليو

توضيح من بشرى بشأن بيان مهرجان الجونة

GMT 16:26 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الفيصلي الأردني يقترب من التعاقد مع لاعب المصري أونش

GMT 18:57 2018 الخميس ,04 تشرين الأول / أكتوبر

شركة جوجل تضيف تحديثًا جديدًا في تطبيقها للخرائط

GMT 23:26 2018 الثلاثاء ,18 أيلول / سبتمبر

جوجل تضيف ميزة التعرف على الأغاني في البحث الصوتي

GMT 10:59 2016 الإثنين ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

عصبة سوس لكرة القدم تتواصل مع 23 فريقًا للمشاركة في كأس العرش
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib