تجيير الهزيمة
أخر الأخبار

تجيير الهزيمة

المغرب اليوم -

تجيير الهزيمة

سوسن الأبطح
بقلم : سوسن الأبطح

كما السحرة المهرة، تمكن دونالد ترمب من تحويل الهزيمة الأميركية في أوكرانيا إلى فشل أوروبي ماحق. أكثر من ذلك، لم تعترض أوروبا، ولم تقل كلمة واحدة عن لعبة تغيير الطرابيش التي قادتها الولايات المتحدة ببراعة، متنصلة من مسؤوليتها في إشعال الاقتتال، بل عضت على الجرح، وتحاول تضميده بمفردها.

أميركا هي التي ضيقت الخناق على روسيا وحاصرتها من جهة أوكرانيا، واستفزتها. ومن ثم عندما جنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وبدأ هجومه على أوكرانيا، تولت أميركا التسليح والتمويل والتجييش والعقوبات والحصار، والمعركة الدبلوماسية ضد روسيا في الأمم المتحدة، ومن ثم إجبار أوروبا على مقاطعة الغاز الروسي، شريان الحياة والاقتصاد لعشرات ملايين الأوروبيين، الذين أوقعتهم الخطة الأميركية في الفاقة والعجز وإقفال المصانع وإفلاس الشركات، وبخاصة في ألمانيا.

أسوأ من ذلك، تصالحت أميركا مع روسيا وعقدت القمم، ولم تعد تعتبرها تهديداً؛ بحسب استراتيجية ترمب للأمن القومي التي نشرت في 33 صفحة، محددة سياسته للسنوات المقبلة. لم تذكر هذه الاستراتيجية الصين باعتبارها عدواً، ولا مصدر وباء قاتل أو ديكتاتورية خطرة، بل بوصفها منافساً نداً، وبلداً يعزز قدرته التسلحية النووية.

أما أوروبا، حليفة الأمس، فهي المشكلة؛ لأنها محكومة بضعفاء فقدوا البوصلة، وعليهم أن يصلحوا أحوالهم لتقبل بهم أميركا شركاء عبر الأطلسي.

«القوة هي التي تصنع الحق» عند الرئيس ترمب. هذا قاله في مقابلته مع «بوليتيكو» قبل أيام، وعليه بنى رؤيته الاستراتيجية. روسيا نالت رضاه، لأنها «كانت قوية، وصارت أقوى بكثير». أما أوكرانيا «فقد خسرت شريطاً ساحلياً كاملاً، وأراضي واسعة، قبل وصولي». أي أن ترمب لا يعتبر نفسه مسؤولاً عن هزيمة بلاده، بل هو الإطفائي الآتي لإعادة الاستقرار وفرض السلام بالقوة، حتى من دون موافقة أوروبا، وليذهب المغتاظون إلى الجحيم، أولهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي عليه أن ينظم انتخابات، وهو ما سيفعله صاغراً.

هكذا حوّلت أميركا حليفتها الأولى أوروبا، إلى كبش فداء. والغريب أن أوروبا تمعن في التوغل في ورطتها، معتبرة أن الحرب ستبقى مستمرة. قبل أيام، دعا رئيس هيئة أركان الجيوش الفرنسية الجنرال فابيان ماندون، رؤساء البلديات إلى إعداد الشعب الفرنسي نفسياً لتقبل ما سمّاه بسيناريو «فقدان الأبناء» في نزاعات مستقبلية. وهو ما أثار صدمة في نفوس الناس.

هدأت النار الأميركية، لكن أوروبا تعتبرها مجرد هدنة. لهذا فإن عمليات إنعاش الصناعات العسكرية على أشدها، وخطط إكمال الحرب مشتعلة في الضمائر، رغم أنهم يعلمون أنهم أضعف مما يتمنون.

الصدمات تتوالى على أوروبا، بسبب تحالفها الأعمى مع أميركا، لا سيما في حرب أوكرانيا. الحماسة الزائدة لقتال روسيا، واستعدائها، والسطو على أموالها في البنوك، ليس في صالح دول لا تستطيع الدفاع عن نفسها.

استراتيجية ترمب، جعلت التحالف مع أميركا منذ الحرب العالمية الثانية ينهار فعلياً، وإن كان بعض الأمل لا يزال يراود بعض الأوروبيين.

لكن ترمب واضح، لم يعد «الناتو» مجنداً بتمويل أميركي للدفاع عنهم من دون أن يدفعوا الثمن، ولو كانوا مفلسين. ومن الشروط العصيبة، أن عليهم أن يعودوا قارة بيضاء. هذه الأجناس الملونة والهجرات التي يصفها بـ«الكارثية» لا تعجب ترمب. «أوروبا مهددة بالزوال بعد عشرين عاماً، إذا بقيت في هذا المسار»، وليتدبروا أمر اختلال الديموغرافيا بمفردهم. كما أن عليهم أن يقبلوا اليمين المتطرف بأفكاره الإقصائية وعنصريته، لا بل أن يتقبلوا «المقاومة» التي ستشعلها أميركا في أوروبا لإيصال متطرفين إلى السلطة.

بناء دفاع أوروبي متماسك يحتاج أقله إلى 7 سنوات، فهل تملك أوروبا الوقت والمال؟ حالياً يوجد 27 جيشاً، لكل منها رؤية وعقيدة، ولكل دولة وجهة نظر، وكأنما لم يكن يجمعهم غير «الناتو»، الذي يذوي.

وبينما تعاود أوروبا بناء نفسها إن أمكنها ذلك، تتلقى الهجمات من كل الجهات، حتى إيلون ماسك الغاضب بسبب حكم قضائي عليه دفع 120 مليون يورو غرامة، لا يتوانى عن الجزم واثقاً من أنه «يجب إلغاء الاتحاد الأوروبي»، وأنه سينتقم لنفسه بمنع المفوضية من نشر إعلاناتها على «إكس». هذا ليس مجرد تهديد لفظي، فالتعاون مع أعداء الاتحاد في داخل أوروبا على قدم وساق، لشدّ عضدهم.

أوروبا رغم إمكاناتها الهائلة، في وضع لا تحسد عليه، لأسباب سيكولوجية قبل أي شيء آخر، فقد بقيت في حمى القوة الأميركية ثمانين عاماً، وتجد نفسها عارية، مهددة من دونها.

شروط سوريالية تفرض على الأوروبيين. الفرنسيون يتحدثون عن إحساسهم بـ«الذهول»، وعن «إذلال»، و«إهانة»، و«إخضاع»، و«إلحاق بالإمبراطورية الأميركية»، وعن ضياع «حين يصبح حليفك عدوك». كتب أحد المحللين: «يريدون الاحتفاظ بنا للحاجة والمصلحة لأننا 450 مليون نسمة، وسوق معتبرة. ما عدا ذلك يعتبروننا إحدى أذرعهم، تماماً، كما حركة (حماس) بالنسبة لإيران».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تجيير الهزيمة تجيير الهزيمة



GMT 17:00 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

ظاهرة «العوضي» وهشاشة العقل المصري

GMT 16:56 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

رياح هادئة من سوريا

GMT 16:49 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

حياة الفهد... وحياة الذاكرة

GMT 16:47 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

الوسط المستحيل في لبنان

GMT 16:44 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

إشكاليات الأمن الإقليمي

GMT 16:42 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

خطأ ستارمر كشف أخطاء

GMT 16:39 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

لندن ـــ بكين... لا انفكاك من ثقافة الشاي و«الزن»

GMT 16:09 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

في «ذكرى العمدة» لعبة إخوانية مكشوفة!!

تنسيقات الأبيض والأسود بأسلوب كلاسيكي عصري على طريقة ديما الأسدي

دمشق - المغرب اليوم

GMT 05:40 2026 الأربعاء ,22 إبريل / نيسان

بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس
المغرب اليوم - بريطانيا تعتزم حظر الهواتف المحمولة في المدارس

GMT 18:11 2020 الجمعة ,01 أيار / مايو

أبرز الأحداث اليوميّة

GMT 21:04 2019 الإثنين ,01 تموز / يوليو

تنتظرك أمور حزينة خلال هذا الشهر

GMT 13:34 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

الفتاة السعودية رهف القنون تتذوّق لحم الخنزير في كندا

GMT 10:08 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

"أولمبيك خريبكة " يتراجع عن التعاقد مع الإيفواري رونالد

GMT 07:59 2019 الجمعة ,11 كانون الثاني / يناير

الكشف عن نقوش فرعونية قديمة بها رسالة من الإله "آتون"

GMT 22:57 2018 الخميس ,25 تشرين الأول / أكتوبر

حبوب وردية تدرأ عملية الشيخوخة عند البشرية

GMT 14:34 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

افتتاح معرض مختارات للفنان الدكتور عبد السلام عيد

GMT 05:00 2018 الثلاثاء ,12 حزيران / يونيو

هادي يمهد لزيارة إلى الإمارات في إطار دعم الشرعية

GMT 02:20 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

تعرف على سعر الدرهم المغربي مقابل الدولار الأميركي الأربعاء

GMT 11:52 2017 الأحد ,03 كانون الأول / ديسمبر

عبد الحق ماندوزا يهاجم رؤساء الأندية المغربية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib