إيران بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

إيران... بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

المغرب اليوم -

إيران بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء

عبد الرحمن شلقم
بقلم - عبد الرحمن شلقم

إيرانُ بلادُ فارسَ التاريخية، كيان أعطى كثيراً للإنسانية؛ العلم والفلسفة والشعر وعلم الفلك. احتضنتِ الإسلامَ مبكراً وأسهمت في بناء الحضارةِ الإسلامية. تماهَى فيها التاريخُ والجغرافيا، وكانا التوأمين اللذين كتبا وقالا وتحركا عبر القرون. تنقلت بين أنظمة سياسية، رافقها العنفُ والتسلط، ولم تغِبْ ثورات الغضب الشعبي.

قفزَ هذا البلد الغنيُّ فوق حواجزَ سياسيةٍ متحركة عبر القرون. أحداث رَسمت خريطة إيران الجديدة، على ورقة صلبة تعلوها حروفٌ وخطوط، كُتبت بالدم وتمدَّدت فيها آمالُ النخب السياسية بكل أطيافِها وطموحاتها الوطنية، وكان لرجال الدين حضورٌ، شحنت فيه العمائم بمختلف ألوانها، قلوبَ العامة من الشعب وعقولهم، فتحوَّلت الشوارع إلى متفجرات بشرية. كان لليسار بأطيافُه المتعددة الألوان فاعلية؛ صرخ بصوت تعبوي حاد، ودفع الآلاف إلى الشوارع، لكنه رفع السلاح مرات. إيران مستنقع مسكون بالعواصف الانقلابية. من القاجاريين الذين حكموا إيران وأعادوا تركيبها إلى العائلة البهلوية التي عاقبتها القوى الغربية، بقدر ما دعمتها، إلى محمد مصدق الرجل المدجج بطموح وطني، وانتهى بمأساة هزّت البلاد.

آية الله روح الله الخميني، أعاد تشكيل طوبوغرافية الأرض والناس. رجل دين امتلك قوة الغموض المُفجِّر. من عائلة هندية شيعية، إلى بلدة خُمين بإيران. تفقَّه في المذهب الشيعي، وتنقل بين إيران وتركيا والعراق وفرنسا. قاد ثورةً أسقطت الشاه، وأسَّس نظامَ حكمٍ قلب منظومة المعتقد الشيعي الاثني عشري السياسية، التي دامت مئات القرون، والقائلة بأنْ لا حكم سياسياً شيعياً، إلا بقيادة الإمام المهدي الغائب المنتظر.

نجحَ الخميني في فرض نظريته، القائمة على أن يتولى الفقيه، ولاية الحكم في هذه الغيبة. كتب الخميني دستوراً لدولة «ثيوقراطية»، وعلى رأسها فقيه يكون مرشدها الأعلى، وله السلطة المطلقة.

مباشرة بعد الشهور الأولى لانتصار ثورة الخميني سنة 1979، اشتعلت نارٌ داخلية وأخرى خارجية. تشكَّلت محاكمُ ثوريةٌ قادها رجالُ دين، حكمت على الآلاف بالإعدام، منهم من كان قيادياً في حركة الثورة؛ بل هناك منهم من أقام مع آية الله الخميني في ملجئه بفرنسا، وتولى مناصبَ وزارية في أول حكومة شكلها الخميني. أُعدمَ العشرات من كبار الضباط. خالف الخميني بذلك ما سبق أن وعد به، عندما كان يحرض على الثورة ضد الشاه عبر أشرطة التسجيل، بتحقيق الحرية والعدالة وسيادة القانون. النار الثانية كانت اقتحام الشبابِ للسفارة الأميركية بطهران، واحتجاز المئات من الدبلوماسيين الأميركيين. بدأت رحلة العداء بين الدولتين، وانهالت مطرقة العقوبات الأميركية على إيران.

مساحة إيران مليون وستمائة ألف كم، تكتنز أعماقُها المليارات من النفط والغاز، وفوق أرضها أنهارٌ جارية بالمياه تعد بالمئات بالإضافة للروافد، بها خامات كثيرة ومتنوعة، ومنذ العصور القديمة كانت بستانَ علم في جميع المجالات. امتلكت كلَّ المؤهلات لأن تكون نمراً اقتصادياً وعلميّاً وثقافيّاً، يتفوّق على دول آسيوية، لم يتوفر لها قليل ممَّا كان لإيران فوق الأرض وفي جوفها من الثروات الطبيعية والبشرية. في آهة حارقة قالَ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان: كيف تقدَّمت اليابان وتركيا اقتصادياً علينا، وهما لم تمتلكا شيئاً من الثروات الطبيعية، التي وهبها الله لنا؟ مضيفاً: «نحن نمتلك النفط والغاز لكنَّنا جائعون، ولا يمكننا أن نلقيَ اللوم على العقوبات الدولية وحدها، وتركيا إنتاجُها المحلي ضعفُ إنتاجِ إيران؛ وهما بلدان متجاوران والكثافة السكانية متساوية فيهما».

تراجع الإنتاج النفطي بقوة، و40 في المائة من الشعب الإيراني تحت خط الفقر، واستشرى الفسادُ في كل مفاصل الدولة، وسيطر «الحرس الثوري» على النشاط الاقتصادي، وامتلك السلطويون وأبناؤهم مقدراتِ البلاد.

البلاد تعاني من الجفاف الذي حرمَها المياه، وتراجع حجم المساحات الزراعية، بسبب نقص مياه الأنهار، وإقامة السدود العشوائية. نزح كثيرون من القرى والمناطق الزراعية، إلى المدن التي ازدحمت بالسكان، وتهاوت البنى التحتية. زاد عدد السكان بسرعة غير مسبوقة، واقترب من المائة مليون نسمة. مليارات الدولارات مجمَّدة في الخارج، وتستحيل إعادتُها إلى البلاد بسبب العقوبات الدولية. المفارقة المأساوية، أنَّه رغم المجاعة والبطالة والفقر، الذي ترزح فيه إيران، فقد ضخت عشراتُ المليارات إلى أذرعها المسلحة: الحوثيون في اليمن، و«حزب الله» في لبنان، وحركة «حماس» في غزة، والنظام السوري السابق، و«الحشد الشعبي» في العراق. أنفقت إيران الملياراتِ في صناعة الصواريخ وبرنامجها النووي، وخاضت حروباً مع إسرائيلَ والولايات المتحدة.

كل ذلك أصاب البلاد بالأنيميا الاقتصادية، التي أوهنت كامل الكيان الإيراني. طفح الكيل ولم يبقَ لهذا الشعب الأصيل إلا صرخة الغضب، فتدفق الآلاف إلى الشارع مطالبين بالتغيير لضبط ثروات الوطن. تساقط الآلاف قتلى في الشوارع والميادين، والتهديدات العسكرية تتزايد من بعيد وقريب، وابن الشاه يبعث برسائله للشعب الإيراني من منفاه، كما فعل الخميني يوما. ما الحل ومتى؟

هل سيتخذ المرشد الأعلى، قرار الزمن الوطني الكبير، ويراجع ما ألقاه الحكم الحالي على كاهل الشعب الإيراني، من ضنك ومعاناة ودماء؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إيران بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء إيران بُدّدت الثروة وغِيضَ الماء



GMT 09:01 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 08:51 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 12:29 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

احتفلوا بقاتله

GMT 12:27 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

عبلة كامل... فصاحة الصَّمت

GMT 12:23 2026 الإثنين ,09 شباط / فبراير

الشرع بعيون لبنانية

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 07:24 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
المغرب اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 18:41 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

لا تتورط في مشاكل الآخرين ولا تجازف

GMT 06:14 2020 السبت ,12 كانون الأول / ديسمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 12 كانون أول/ديسمبر 2020

GMT 12:11 2022 الأحد ,06 شباط / فبراير

أفكار متنوعة لتصميم كوشة الأفراح

GMT 08:29 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

«أمريكية دبي» تشارك في مؤتمر هارفارد

GMT 12:26 2014 الأربعاء ,19 آذار/ مارس

إيميليا كلارك تتألق في احتفال عرض "Game of Thrones"

GMT 04:31 2017 الأربعاء ,20 كانون الأول / ديسمبر

أحدث ديكورات الأسقف الحديثة والعصرية في 2018

GMT 10:36 2015 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

ملعب الأمير مولاي الحسن يحتضن قمة "الرجاء" و"الجيش"

GMT 16:36 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

افضل وجهات مثالية لقضاء شهر العسل

GMT 06:56 2019 الأحد ,31 آذار/ مارس

شهر مناسب لتحديد الأهداف والأولويات

GMT 06:47 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

بُرجك سيُحدد وجهتك المفضلة للسفر خلال 2019

GMT 14:34 2018 الإثنين ,17 كانون الأول / ديسمبر

وفاة سيدة صدمتها سيارة ضواحي مدينة برشيد

GMT 08:25 2018 الخميس ,22 شباط / فبراير

العثور على جثة فتاة داخل شقة في حي جليز

GMT 20:55 2016 الأربعاء ,02 آذار/ مارس

هل تكتفي الزوجات بكلمة آسف حبيبتي

GMT 03:20 2020 الأحد ,03 أيار / مايو

إصابة أول وزير عربي بـ فيروس كورونا

GMT 21:34 2018 الخميس ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

طريقة عمل فطائر البريوش

GMT 17:19 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

سعد الدين العثماني سيحل قريبًا في وجدة

GMT 22:57 2016 السبت ,20 شباط / فبراير

4 تمارين مجمعة لتقوية عضلات الذراعين

GMT 15:09 2023 الثلاثاء ,24 كانون الثاني / يناير

أسعار النفط في المنطقة الحمراء

GMT 20:58 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

المؤشر نيكي الياباني يفتح مرتفعا 0.30%
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib