طرابلس في حرب إيران

طرابلس في حرب إيران

المغرب اليوم -

طرابلس في حرب إيران

بقلم : عبد الرحمن شلقم

حبال الحروب بين طرابلس الليبية والولايات المتحدة لا تقطعها سيوف الزمن. أول حرب تخوضها أميركا خارج أراضيها، بعد استقلالها عن بريطانيا، كانت على ساحل طرابلس الغرب، مع بحرية يوسف باشا القرهمانلي، حاكم ليبيا في مطلع القرن التاسع عشر. الآن يتكرر اسم طرابلس، في أصوات القادة العسكريين والمحللين السياسيين، في السرديات التي تتناول مضيق هرمز.

هذا المضيق الذي يخنق اقتصاد العالم. السفينة الحربية الأميركية البرمائية الهجومية تقوم بنقل مشاة بحرية، وطائرات عمودية وأخرى خفيفة. وقد أعطيت هذا الاسم تخليداً لذكرى أول حرب تخوضها الولايات المتحدة خارج أراضيها، بعد حصولها على الاستقلال من بريطانيا. وُضع اسم TRIPOLI في نشيد البحرية الأميركية، إذ تفتتح البحرية الأميركية نشيدها بكلمات: من قاعات مونتيزوما إلى سواحل طرابلس نخوض معارك وطننا في الجو والبر والبحر.

القرن التاسع عشر بدأ بكتابة سطوره فوق مياه البحر الأبيض المتوسط، تدفعها منخفضات هوائية ومائية دامية، تهب من سواحل المحيط الأطلسي. الدولة العثمانية التي تحكم شمال أفريقيا، سرى فيها الوهن، وبرز قادة محليون استولوا على مقاليد الحكم في أقاليمها، ولم يبق لسلطان إسطنبول فيها سوى دعاء يعاد على منابر المساجد في صلاة الجمعة. الرجل المريض عنوان أطلقه الأوروبيون على نظام يدفعه عصر جديد يتحرك إلى غياهب الزوال. في شمال أفريقيا وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط، نهضت قوى محلية فرضت هيمنتها على مقاليد الأمور، في أكثر من إيالة عثمانية. في مصر أسس محمد علي الألباني سلطته في مصر، وفي طرابلس تمكن شاب مغامر عنيد من انتزاع الحكم في ليبيا بالدهاء والقوة، هو يوسف باشا القرهمانلي. مدَّ نفوذه إلى عمق الصحراء الكبرى، وسيطر بقواته البحرية على مياه غرب البحر الأبيض المتوسط، واعتبرها من أملاكه الخاصة، وفرض إتاوات على السابلة في مياهه، وخضعت لإرادته الكيانات الأوروبية الضعيفة، ودفعت له ما فرضه عليها عن يد وهي صاغرة.

الولايات المتحدة الدولة القوية الوليدة صنعت أسطولاً بحرياً تجارياً كبيراً يحمل منتجاتها الصناعية والزراعية إلى دنيا العالم القديم في أوروبا وآسيا وأفريقيا، لكنها اصطدمت بحاجز القرصنة القرهمانلي، أو كما أطلقوا عليه هم والأوروبيون: القرصنة البربرية. في البداية قبلت الولايات المتحدة بدفع الإتاوات، لكن يوسف القرماني رفعها عالياً، والرئيس الأميركي توماس جيفرسون رفض دفع المزيد. اعترضت البحرية الليبية السفن الأميركية، فقامت البحرية الأميركية بحصار طرابلس، وقامت أكبر سفينة حربية أميركية (فيلادلفيا)، بملاحقة مراكب قرصنة طرابلسية، فارتطمت بشعاب مرجانية، وجنحت وتحطمت، واضطرت إلى الاستسلام. تسللت قوة بحرية أميركية الى ميناء طرابلس، وأحرقت السفينة الحربية الضخمة (فيلادلفيا).

دخل الطرفان الليبي والأميركي في حرب مباشرة. قام حاكم ليبيا يوسف باشا القرهمانلي شخصياً، بإنزال العلم الأميركي من أعلى سارية القنصلية الأميركية بطرابلس، وأصرَّ على الاستمرار في فرض الإتاوات على السفن الأميركية بالقوة على طول الساحل الليبي.

قررت الحكومة الأميركية إزاحة يوسف القرهمانلي عن الحكم، بعدما أيقنت أنه لن يتراجع عن سياسته تجاهها. حرّكت حملة عسكرية من الإسكندرية نحو مدينة درنة الساحلية بشرق ليبيا، قوامها قوات أميركية، ويشارك معها جيش من المرتزقة. عبرت تلك القوات مئات الكيلومترات، وحينما وصلت إلى شاطئ مدينة درنة، باشرت السفن الحربية الأميركية بقصف المدينة. حميد القرهمانلي شقيق يوسف الجالس في سرايا طرابلس، كان الباشا الذي أعدته الحكومة الأميركية ليحل محل شقيقه عدو واشنطن الأكبر. السفينة البرمائية الهجومية الأميركية، طرابلس الأولى، كان لها دور أساسي في الهجوم على درنة. تمت السيطرة الكاملة على المدينة. كان ذلك أول انتصار أميركي في معركة خارج الحدود. صار اسم طرابلس هتافاً وطنياً في نشيد البحرية الأميركية. «فيلادلفيا» التي كانت لؤلؤة القوة البحرية الأميركية، تحطمت وأُحرقت في طرابلس، لكن اسم طرابلس اشتعل في مدينة درنة.

ذلك الانتصار لم يحقق الهدف الذي تحركت من أجله البرمائية (طرابلس)، والقوات التي كانت تقاتل معها. كان هدف العملية العسكرية الأميركية في الهجوم على درنة، هو الاندفاع نحو طرابلس؛ لإسقاط يوسف القرهمانلي، وتنصيب شقيقه حميد محله. حميد القرهمانلي تفاهم مع الحكومة الأميركية على إلغاء الإتاوات نهائياً، والتعاون معها على تأمين المواصلات البحرية، على طول الساحل الليبي.

الآن يتكرر اسم البرمائية الأميركية (طرابلس الثالثة) التي تتجه إلى مضيق هرمز القريب من الشواطئ الإيرانية. تحركت الأولى منذ قرنين من الزمن، لإسقاط حاكم وتنصيب آخر مكانه. في بداية الحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران، كان تغيير النظام الحاكم في طهران، على رأس قائمة الأهداف، لكنه تدحرج الآن وهبط في سلّمها، أو حتى غاب عنها. يبدو أن البرمائية طرابلس، لها ما لها وبها ما بها. انتهت الحرب الليبية - الأميركية، ووقّع يوسف باشا معاهدة سلام مع أميركا، وأطلق أسراها بعد أن دفعت له فدية. العجيب أن طرابلس لا تغيب عن كل المعارك الأميركية.

الأولى حاربت في ليبيا، والثانية حاربت في فيتنام، والثالثة تتجه الآن إلى حرب إيران.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

طرابلس في حرب إيران طرابلس في حرب إيران



GMT 19:25 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

لوثة الاغتيال

GMT 19:23 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

الرَّصاصة والرَّئيس ومعركة الصُّورة

GMT 19:21 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

الأزهري الزملكاوي

GMT 19:19 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

شيرين... بـ«الذكاء الاصطناعي»

GMT 19:16 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

تأثير إلغاء الرسوم الجمركية

GMT 19:09 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

مشهد واشنطن هيلتون

GMT 19:05 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

النظام الشرق أوسطى!

GMT 16:32 2026 الأحد ,26 إبريل / نيسان

خلفاء عمرو

نانسي عجرم وأنغام تتصدران موضة إطلالات السهرة اللامعة

بيروت ـ المغرب اليوم

GMT 02:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 18:50 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

تتمتع بالنشاط والثقة الكافيين لإكمال مهامك بامتياز

GMT 07:50 2015 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

غيسين يقر عبوره كروايتا بجواز سفر تجنبا للمشكلات

GMT 21:26 2018 الثلاثاء ,03 إبريل / نيسان

أحمد حلمي يجسّد دور الشيطان في قالب غير كوميدي

GMT 19:36 2017 الأربعاء ,06 كانون الأول / ديسمبر

جنيفر لورانس تُقرر عرض منزلها للإيجار

GMT 11:39 2016 السبت ,08 تشرين الأول / أكتوبر

أربعة أحزاب تتقاسم مقاعد دائرة الصويرة

GMT 19:46 2016 السبت ,09 إبريل / نيسان

ما لا تعرفونه عن الكاجو !!

GMT 07:22 2018 الأربعاء ,15 آب / أغسطس

زلزال بقوة 4.9 درجة يضرب وسط إيطاليا
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib