محمد بن عيسى حشدٌ من الرجال والعقول

محمد بن عيسى... حشدٌ من الرجال والعقول

المغرب اليوم -

محمد بن عيسى حشدٌ من الرجال والعقول

عبد الرحمن شلقم
بقلم : عبد الرحمن شلقم

في السادس والعشرين من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي اجتمع في مدينة أصيلة المغربية حشد من الوزراء والسفراء والدبلوماسيين السابقين، والعشرات من المفكرين والمثقفين والأدباء من مختلف بلدان العالم في منتدى استمر أسبوعاً، في فعالية فكرية عالمية، لتوديع أيقونة سياسية وثقافية محمد بن عيسى الوزير والسفير والمفكر المغربي. جمعتنا معاً سنوات طويلة كانت طوفان زمن إقليمي وعربي وعالمي. كان الراحل مدرسة في الدبلوماسية والثقافة، وهذه حقيقة شهد له بها كل من عرفه وتعامل معه. العلاقات بين دولتينا (ليبيا والمغرب)، رافقها غبار الاختلاف لسنوات طويلة. كنا نلتقي في اجتماعات وزراء الخارجية العرب، وفي اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. مجموعة البوليساريو التي دخلت مبكراً في صراع مع المغرب؛ بهدف إقامة كيان مستقل في الصحراء الغربية، ولقيت دعماً من ليبيا. أدى ذلك إلى تسميم العلاقات بين البلدين. التقيت محمد بن عيسى في القاهرة عندما كنتُ وزيراً للخارجية الليبية. في بداية لقائنا لم يثر الراحل موضوع الخلاف السياسي بيننا، وبدأ حديثه باللغة الإيطالية التي يتقنها عن الوزير والسفير والمؤرخ الليبي خليفة التليسي، الذي عمل سفيراً لليبيا لدى المغرب زمن المملكة الليبية، وترجم أعمال الروائي الإيطالي، لويجي بيرانديلو، وألف القاموس الإيطالي - العربي. استمر الحديث عن العلاقات التاريخية بين ليبيا والمغرب، وفي الختام طلب مني نقل تحياته إلى العقيد معمر القذافي.

بعد عودتي إلى طرابلس قابلت العقيد معمر القذافي وقلت له إنني أريد زيارة المغرب. سألني ماذا ستفعل بها، أجبته بأنني أريد الحديث مع وزير خارجيتها محمد بن عيسى؛ فهو رجل سياسي مثقف ويحب ليبيا، ردَّ العقيد بكلمة «زين». وفعلاً تمت الزيارة، وكان الحديث خلالها أطول وأوسع، وبدأت مرحلة جديدة في العلاقات.

كان محمد بن عيسى عمدة لبلدة أصيلة التي تقع على المحيط الأطلسي لعقود طويلة، وجمع بين عمادته لها وهو عضو بمجلس النواب المغربي ووزير للثقافة، وعند توليه حقيبة الخارجية أسس فيها «منتدى أصيلة الثقافي» الذي تحول محفلاً فكرياً إنسانياً دولياً سنوياً، يشارك فيه سياسيون ومثقفون وأدباء من كل قارات العالم. تحولت أصيلة بفضل جهده وإبداعه، من قرية فقيرة مهجورة إلى معلم فريد يهفو إليه نخبة العرب وغيرهم؛ فهي مزدانة بحدائق تحمل كل واحدة منها اسم شاعر أو أديب أو فنان، وجداريات تزيّن شوارع أصيلة.

السياسي المثقف الفنان محمد بن عيسى، أسس وكتب ورسم مدينة أصيلة؛ لتكون هي هو، بما فيها من دفق إبداع وفن وثقافة وحرية.

في منتدى سبتمبر الماضي بأصيلة، تحدث المشاركون عن شخصية الراحل الموسوعي، وعما أنجزه على امتداد حياته الطويلة، التي تنقَّل فيها بين القارة الأفريقية ضمن بعثة الأمم المتحدة، وطالباً في جامعة القاهرة، وعاملاً بمنظمة الأغذية والزراعة بروما، وسفيراً لبلاده لدى الولايات المتحدة الأميركية. عرف الدنيا وعرفته، أتقن الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والإسبانية، أما اللغة العربية، فقد كان الراحل العاشق المتيم بها.

في لقاء التوديع الأخير بأصيلة تحدثتُ في كلمتي أمام حشد أصدقائه وزملائه ومحبيه، عن شيء أجزم أن الراحل العزيز ينفرد به، وهو الغوص في أعماق كل مكان حلَّ به. عندما يتحدث عن أفريقيا التي عمل بها سنوات، يفكك التكوين الاجتماعي، بما فيه من عادات وتقاليد متوارثة، والبنى الاقتصادية والحياة السياسية. لقد عشتُ في إيطاليا سنوات طويلة، وأكثر مما عاش بها هو، لكنه حين يتحدث عن «الكولوسيو» حلبة الموت الروماني بمدينة روما، يغرق في تحليل العنف الدموي، الذي يكشف عن ضعف المستبد المريض. مدينة القاهرة كانت الكتاب الذي يقرأه بتعمق ممتع بكل ما فيها من ماضٍ وحاضر إنساني، ومعمار خالد يراكم ما كان عبر العصور. القاهرة الفاطمية عشق كل ما فيها وحملها لوحات لا يعلوها غبار الزمن. الولايات المتحدة الأميركية التي مارس فيها العمل اليدوي بالمزارع وغيرها في شبابه، وعاد لها سفيراً بارزاً، وأقام بها علاقات واسعة مع نخبها السياسية والثقافية والفنية. لقد حمل الراحل محمد بن عيسى شيئاً من كل مكان عاش به، كما يحمل الطائر شيئاً من كل غصن حطَّ فوقه. في قريته أصيلة، التي حولها معلماً معمارياً وفكرياً فريداً، جسَّد ما اكتنزه من إبداع وفكر وفن من ترحاله الطويل، في ربوع الدنيا المختلفة. منقبةٌ فريدة وسمت شخصية محمد بن عيسى، كانت القدرة على امتلاك ذبذبات إنسانية قادرة على مد خيوط الصداقة والمودة والأخوة مع كل ما عرفه أو حتى التقى به في مناسبة عابرة. في الكتاب الذي نُشر بمناسبة وداعه وضم شهادات لعدد من السياسيين والدبلوماسيين والأدباء الذين عرفوه، كتبتُ مقالاً عنه بعنوان «برزخ الزمان الطويل»، كانت سطور مطلعها «الكتابة عن عزيز رحل عن الدنيا بعد عمر ازدحم فيه الزمان بالتحولات الإقليمية والدولية الكبيرة عملية تعجُّ بها الحروف والسطور، ولها حواس تتأوه وتنطق وتتحرك. السياسي الدبلوماسي والمفكر المثقف محمد بن عيسى، كان حشداً من الرجال والعقول، كان ومضات الصمت والكلام».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

محمد بن عيسى حشدٌ من الرجال والعقول محمد بن عيسى حشدٌ من الرجال والعقول



GMT 00:41 2026 السبت ,23 أيار / مايو

سرُّ الصفعة الرئاسية

GMT 00:40 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا من «بيرل هاربر» إلى 11 سبتمبر

GMT 00:39 2026 السبت ,23 أيار / مايو

هل مشكلة إيران في زيادة عدد الشعب؟

GMT 00:38 2026 السبت ,23 أيار / مايو

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

GMT 00:37 2026 السبت ,23 أيار / مايو

مأزق القرار في طهران

GMT 00:36 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

GMT 23:59 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

هدنة أسوأ من الحرب

GMT 23:57 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

جبهة إيران العراقية

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 07:50 2026 السبت ,31 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم السبت 31 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 11:36 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

سعر الدولار الأميركي مقابل دينار عراقي الإثنين

GMT 18:09 2019 الثلاثاء ,01 تشرين الأول / أكتوبر

كيف تنسقين الجاكيت البليزر على طريقة المدونات المحجبات؟

GMT 09:00 2019 الجمعة ,10 أيار / مايو

ماهو التعلّم النشط من منظور إسلامي؟

GMT 20:05 2018 الأربعاء ,24 تشرين الأول / أكتوبر

سعر برميل النفط الكويتي ينخفض إلى 76.59 دولار الأربعاء

GMT 06:41 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على أفضل الجزر الآسيوية لقضاء شهر عسل رومانسي

GMT 18:23 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

إيقاف محمد أمين بنهاشم مُدرّب أولمبيك خريبكة مباراتين

GMT 12:27 2014 السبت ,12 تموز / يوليو

الفنانة العراقية سحر طه تغني بغداد

GMT 05:30 2018 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

عرض استثنائي لـ"فيتون" لوداع المدير الفني الخاص بها

GMT 09:24 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

أجمل بروشات الفاخرة التي تناسب موسم الأعياد

GMT 08:11 2012 الجمعة ,22 حزيران / يونيو

برنت يتراجع عن مستوى 104 دولارات للبرميل

GMT 23:04 2016 الجمعة ,21 تشرين الأول / أكتوبر

التصريف اللمفاوي مفيد لمشاكل الجهاز اللمفاوي

GMT 14:15 2016 الأربعاء ,27 كانون الثاني / يناير

فوائد الشطة لعلاج مرض الصدفية
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib