حين يُحتفى بالضحية ويُبرَّر للجلاد

حين يُحتفى بالضحية ويُبرَّر للجلاد

المغرب اليوم -

حين يُحتفى بالضحية ويُبرَّر للجلاد

بقلم - محمد الرميحي

لا خلافَ على حقيقة تاريخية في أنَّ اليهود في أوروبا خلال الحقبة النازية تعرّضوا لإبادة جماعية ممنهجة، قائمة على العنصرية الصريحة، والقتل الصناعي، ونزع الإنسانية، وذهب ضحيتها نحو ستة ملايين يهودي، إضافة إلى ملايين من الغجر والسلاف وغيرهم. هذه الجريمة ليست موضع نقاش، ولا ينبغي أن تكون، ولهذا أصبح التذكّر جزءاً من الوعي الأوروبي الحديث، ومكوّناً أخلاقياً في الخطاب السياسي الغربي، تُقام له النُّصُب، وتُخصَّص له الأيام، وتُدرَّس تفاصيله للأجيال بوصفه درساً نهائياً في معنى الانحدار الإنساني.

وقد وقف نائب رئيس الوزراء البريطاني قبل أسبوعين (28 يناير/كانون الثاني الماضي) ليذكر بحزن اليوم العالمي لذكرى الهولوكوست (27 يناير) ويعد بإنشاء نصب تذكاري وسط لندن.

غير أن المعضلة تبدأ حين يتحوَّل التذكّر من قيمة أخلاقية كونية إلى أداة انتقائية، تُستخدم لإحياء مأساة، وتجاهل مأساة أخرى، أو تبريرها، أو الصمت عنها. هنا تصبح الذاكرة عبئاً أخلاقياً بدل أن تكون ضميراً حيّاً، ويغدو الاحتفاء بالماضي ستاراً كثيفاً يحجب رؤية الحاضر، ويُفرغ القيم من معناها العملي.

ما جرى ويجري في غزة، من قتل جماعي، وتجويع ممنهج، وتدمير شامل للبنية الحياتية، واستهداف للمدنيين، والمستشفيات، والدواء، والماء، والمأوى، ليس مجرد نزاع مسلح، كما تحاول اللغة الغربية أن تُلطّف توصيفه، بل هو نمط متكامل من الإخضاع بالقوة، وإلغاء شروط الحياة، وتحويل البشر إلى أهداف، والأرض إلى فراغ. وعندما تتراكم هذه الأفعال، وتتخذ طابعاً منظماً وممتداً، فإنَّ توصيفها إبادةً جماعيةً لا يعد شحنة خطابية، بل توصيف قانوني وأخلاقي قابل للنقاش الجاد.

السؤال إذاً ليس: هل اليهود يستحقون التعاطف؟ فهم بشر تعرّضوا لاضطهاد تاريخي بشع. السؤال الحقيقي هو: لماذا لا يُعامل الفلسطيني، وهو إنسان أيضاً، بالمعيار ذاته؟ ولماذا يُستدعى تاريخ الاضطهاد اليهودي لتبرير اضطهاد جديد، بدل أن يكون حائط صدٍّ أخلاقياً يمنعه؟

التفسير الأول سياسي لا أخلاقي. الغرب لا يتعامل مع الذاكرة بوصفها قيمةً إنسانيةً خالصةً، بل بوصفها جزءاً من بنيته السياسية بعد الحرب العالمية الثانية. الهولوكوست لم تعد مجرد مأساة تاريخية، بل أصبحت عنصراً مؤسساً للهوية الأخلاقية الأوروبية الحديثة، ومفتاحاً لفهم شرعية الدولة الإسرائيلية في المخيال الغربي، وأي مساس بهذه السردية يُنظر إليه باعتبارها تهديداً مباشراً لمنظومة ما بعد عام 1945.

التفسير الثاني ثقافي وإعلامي. الفلسطيني لا يُرى في الوعي الغربي ضحيةً كاملةَ الشروط، بل يُختزل غالباً في صورة المقاتل، أو المُحرّض، أو الخارج عن النظام، لا كإنسان منزوع الحماية. في المقابل، صُوِّر اليهودي تاريخياً ضحيةً مطلقةً، بلا سياق، وبلا تعقيد. هذه الثنائية سمحت بتعليق المعايير، فجعلت هناك ضحية تستحق التذكّر الدائم، وضحية يمكن تبرير موتها أو تجاهله.

أمَّا التفسير الثالث، فهو أخطرها جميعاً، الخلط المتعمّد بين اليهودية ديناً، والصهيونية مشروعاً سياسياً استعمارياً. هذا الخلط جعل أي نقد لممارسات إسرائيل يُقدَّم بوصفه عداءً لليهود، رغم أنَّ الفلسطيني لا يواجه اليهودي بوصفه يهودياً، بل يواجه دولة قومية مسلحة تمارس السيطرة والإقصاء باسمه.

المفارقة المؤلمة أن الدرس الأخلاقي الأكبر للهولوكوست كان يجب أن يكون لا إبادة بعد اليوم ضد أي شعب، وتحت أي ذريعة. لكن ما حدث هو العكس تماماً؛ تحوّل التذكّر إلى رخصة صمت، وتحولت المأساة إلى درع سياسي، وتحولت القيم إلى انتقائية فجة تُدار وفق موازين القوة والمصلحة.

إن تجاهل إبادة الفلسطينيين اليوم، مع الاحتفاء المستمر بذكرى إبادة اليهود بالأمس، لا يعبّر عن وفاء حقيقي للضحايا، بل يكشف فشلاً عميقاً في فهم معنى التذكّر ذاته. فالذاكرة التي لا تمنع تكرار الجريمة تتحول من ضمير إنساني إلى شاهد زور، ومن درس أخلاقي إلى أداة تبرير، ومن وعد بعدم التكرار إلى خيانة صامتة للقيم التي ترفعها.

ويزداد هذا التناقض وضوحاً حين نراقب سلوك الساسة الغربيين في المحافل الدولية، حيث تُستدعى لغة القانون الدولي وحقوق الإنسان بصرامة في بعض الملفات، وتُعلّق بالكامل في ملفات أخرى. فالقرارات الأممية، وتقارير المنظمات الحقوقية، وصور الضحايا، كلها تصبح فجأةً محل تشكيك أو تجاهل عندما تتعلق بإسرائيل، وكأنَّ القانون يفقد صلاحيته الجغرافية والأخلاقية عند حدود غزة. هذا الكيل بمكيالين لا يُضعف مصداقية الغرب فحسب، بل يُسهم في تآكل النظام الأخلاقي العالمي الذي يدّعي الدفاع عنه.

كما أنَّ هذا الصمت الانتقائي يغذي شعوراً واسعاً بالظلم في العالم العربي، ويعزز قناعة خطيرة بأنَّ حياة البشر ليست متساويةً في ميزان السياسة الدولية. وحين يشعر شعبٌ بأكمله بأنَّ دمه أقل قيمة، فإنَّ ذلك لا ينتج استقراراً ولا سلاماً، بل يفتح الباب لمزيد من التطرف واليأس، ويقوّض أي أمل في تسوية عادلة أو مستقبل مشترك.

إنَّ العدالة التاريخية لا تتحقق بالذاكرة المجتزأة، ولا بالاعتراف الانتقائي، بل بالقدرة على رؤية المأساة أينما كانت، ومن دون حسابات الهوية أو التحالف. فالتذكّر الحقيقي ليس طقساً سنوياً، ولا خطاباً رسمياً، بل التزام عملي بألا يُسمح بتكرار الإبادة، لا باسم الدين، ولا باسم الأمن، ولا باسم التاريخ.

وحين تفشل الإنسانية في اختبارها الأخلاقي، فإنَّها تمهّد الطريق لدورات عنف جديدة، وتكتب على نفسها تكرار المأساة بأشكال مختلفة، وأسماء ضحايا جديدة، وصمت دولي أعمق. يتكرّر المشهد ذاته بلا مساءلة حقيقية.

آخر الكلام: ستبقى الذاكرة الغربية أداة انتقاء، وسيبقى الضحايا درجات، وستبقى القيم مجرد شعارات.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين يُحتفى بالضحية ويُبرَّر للجلاد حين يُحتفى بالضحية ويُبرَّر للجلاد



GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 12:33 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير

GMT 10:34 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانية تُقيم دعوى ضد تلميذ زعم ممارسة الجنس معها

GMT 18:07 2018 الثلاثاء ,08 أيار / مايو

‏فضل صلاة النافلة

GMT 11:42 2017 الأربعاء ,17 أيار / مايو

مرسيدس C63 كوبيه معدلة بقوة 603 أحصنة من Chrometec

GMT 02:32 2024 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

السعودي الدهامي إلى كأس العالم لقفز الحواجز 2025
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib