عصر الضجيج ينتج فقر المعرفة

عصر الضجيج ينتج فقر المعرفة

المغرب اليوم -

عصر الضجيج ينتج فقر المعرفة

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

في عالمٍ يتسارع فيه الانفجار الاتصالي على نحو غير مسبوق، لم تعد الكلمة تقع في مجال التروي، أو مساحات التفكير الهادئ، بل أصبحت في كثير من الأحيان حدثاً لحظياً عابراً يختلط فيه الصوت بالضجيج، وتتراجع فيه المعايير لصالح الإثارة، ويغيب فيه التحقق لصالح السبق، وتتضخم فيه الأنا إلى حد الانفجار، فتتحول الحقيقة المزيفة إلى مادة استهلاكية سريعة التداول.

في هذا المناخ لم يعد التفريق سهلاً لدى كثيرين، بين الرأي والمعرفة، ولا بين النقد والتشهير، ولا بين الاختلاف المشروع، والهجوم الشخصي. وتسللت السطحية إلى قلب النقاش العام، حتى صارت هي القاعدة لا الاستثناء، وتقدمت الانفعالات على حساب التفكير، وغدت القضايا الكبرى تُختزل في عناوين مثيرة، وتُقاس بمؤشرات التفاعل، لا بميزان المنطق. ومع كل اختلاف، تفقد الكلمة دورها التنويري، وتتحول من أداة للفهم إلى أداة للاستهلاك والاستقطاب، وتغدو الساحة العامة أقرب إلى سوق مفتوح للانفعالات.

من أخطر ما يترتب على هذا المشهد الضجيجي المتواصل، أن قوى النقد الموضوعي تتعطل تدريجياً، فالمتلقي يعيش في مساحة مكتظة بالاستجابات السريعة، لا تمنحه الزمن الكافي للتفكير، ولا تتيح له المسافة الضرورية للتأمل.

وفي السياق العربي، يتضاعف ثقل هذه الإشكالية، لأن الانفجار الاتصالي جاء فوق بنية ثقافية ومؤسسية لم تكتمل بعد، فضعف الثقة بالمؤسسات، وغياب الإطار الاجتماعي القادر على تنظيم النقاش العام، فتحا المجال لهيمنة المنابر الرقمية التي لا تخضع في معظمها لمعايير مهنية.

الصوت المنبري بصيغته الجديدة لم يعد محصوراً في الخطب التقليدية أو المنابر السياسية، بل صار يتجسد في كل حساب نشط، يتعامل على قدر عقله، وكل منصة صاخبة، وكل مقطع فيديو قادر على الانتشار في ثوانٍ، يحمل الكثير من التعصب. إنه خطاب يقوم في الغالب على الإثارة، وعلى العاطفة لا على البناء المنطقي، وعلى استدعاء الغضب، لا على تفهم التعقيد.

يضاف إلى ذلك الدور الحاسم الذي تلعبه الخوارزميات الرقمية في تعميق هذه الظاهرة؛ فهي لا تُصمَّم للتحقق من المعنى، بل لتعظيم التفاعل، وكلما كان المحتوى أكثر تطرفاً أو تعصباً ارتفعت فرص انتشاره. وبهذا المعنى لا يصبح الضجيج مجرد سلوك اجتماعي، بل نتيجة بنية ثقافية، تكافئ الاستقطاب وتعاقب الاعتدال، وتدفع الخطاب العام نحو الحواف الخطرة التي قد تؤدي إلى الخلاف الضار.

النتيجة الطبيعية لهذا المشهد، هي إرباك الرأي العام، وتضليله، وإغراقه في تفاصيل لا تقوده إلى فهم للواقع، بل إلى مزيد من التشويش. وحين يتحول كل رأي إلى «حقيقة» في نظر أصحابه، يختل ميزان التمييز، ويغيب الفرق بين الصواب والخطأ، ويصبح الصراع لا بين فكرة وفكرة، بل بين يقينين منغلقين، لا يعترف أحدهما بالآخر.

الخروج من هذا المأزق لا يكون بالحنين إلى زمن مضى، ولا بإدانة التكنولوجيا بوصفها شرّاً مطلقاً، بل بإعادة بناء العلاقة بين الكلمة والمسؤولية. وهنا تبدأ المهمة من التعليم، حيث ينبغي أن يتعلم الطالب منذ وقت مبكر التفكير النقدي، لا التلقي السلبي، والتمييز بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والإشاعة. وتمتد إلى الإعلام الذي عليه أن يستعيد دوره باعتباره وسيطاً معرفياً، لا مجرد ناقل للإثارة، وترويج نظريات المؤامرة، وأن يقدم المعلومة في سياقها، ويوفر أدوات الفهم لا مجرد لفت الانتباه، ويحترم الرأي الموضوعي.

كما تشمل النخب الفكرية نفسها التي يُطلب منها اليوم أن تجد لغة جديدة للتواصل مع الجمهور، لا تتخلى فيها عن العمق، ولكن تخاطب الناس بوضوح، دون تعالٍ بلغة يفهمها، وأن تعيد الاعتبار لفضيلة الإبطاء في التفكير، مقابل هذا الاستعجال الجارف في إطلاق الأحكام. فالمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من الأصوات، بقدر ما يحتاج إلى مزيد من تحكيم العقل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عصر الضجيج ينتج فقر المعرفة عصر الضجيج ينتج فقر المعرفة



GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 12:33 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير

GMT 10:34 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانية تُقيم دعوى ضد تلميذ زعم ممارسة الجنس معها

GMT 18:07 2018 الثلاثاء ,08 أيار / مايو

‏فضل صلاة النافلة

GMT 11:42 2017 الأربعاء ,17 أيار / مايو

مرسيدس C63 كوبيه معدلة بقوة 603 أحصنة من Chrometec

GMT 02:32 2024 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

السعودي الدهامي إلى كأس العالم لقفز الحواجز 2025
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib