حين تهيأ العقول لخطاب التطرف

حين تهيأ العقول لخطاب التطرف

المغرب اليوم -

حين تهيأ العقول لخطاب التطرف

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

الدين حاجة ضرورية للإنسان، لا يختفي من المجتمعات، بل يعيد تشكيل نفسه وفق شروط المجتمع والسلطة والاقتصاد، غير أن الإشكال في السياق العربي لا يتمثل في حضور الدين، بل في كيفية تمثله اجتماعياً، وفي غياب النقد الموضوعي للموازنة بين مقولات الإفتاء وحاجات المجتمع. هذه العلاقة تناقش غالباً من موقع دفاعي يقدس القول، أو من موقع هجومي يحمل الدين كل أزمات المجتمع، بينما يغيب التحليل، الذي يفرق بين الدين كونه نصاً وقيماً إنسانية عظيمة، والتدين كونه ممارسة بشرية تاريخية.

في الثقافة العربية، لم يتحول الدين إلى موضوع معرفة اجتماعية، بل بقي محاطاً بهالة تمنع التفاعل معه، بوصفه ظاهرة تشترك مع السياسة والاقتصاد والبنية الاجتماعية. هذا الخلط بين المقدس الإيماني، والتجربة البشرية، جعل أي تفسير يفهم باعتباره طعناً في الدين ذاته لا تفكيكاً لطريقة تمثله أو توظيفه، وهنا تتكون سردية سلبية مريحة، تبرئ المجتمع من مسؤولية المراجعة، وتحول الإشكال المعرفي إلى صراع أخلاقي.

أحد أهم مظاهر هذا الخلل هو عدم فهم دقيق لمصطلحي «الفقيه» و«عالم الدين». الفقيه في التراث الإسلامي مجتهد بشري يعمل في منطقة الظن، يقدم رأياً مرتبطاً بسياقه، قابلاً للأخذ والرد، أما عالم الدين فهو ناقل للمعرفة، وشارح للمدونة، وليس صانعاً للحقيقة النهائية، غير أن الثقافة العامة دمجت المفهومين في صورة واحدة، ومنحت الرأي الفقهي سلطة القطع، وكأن الاجتهاد حكم إلهي لا يراجع.

هذا الدمج أنتج ظاهرة خطيرة؛ تحويل الرأي إلى عقيدة، والاجتهاد إلى يقين، والفتوى إلى سيف رمزي، ومن هنا ظهرت أحكام من قبيل تحريم الموسيقى، أو السماح للتحرش بالمرأة السافرة، أو إخراج من يقف احتراماً للسلام الوطني من الملة، أو وصم سلوكيات اجتماعية كمصافحة المرأة بالكفر أو الانحراف. هذه الأحكام لا تقوم على نصوص قطعية الدلالة، بل على قراءات بشرية جزئية، لكنها تقدم للجمهور باعتبارها «حكم الدين»، فيغلق باب النقاش، ويشيطن الاختلاف.

المشكلة ليست في وجود آراء فقهية متشددة، فذلك جزء من تاريخ الفكر الديني في كل الثقافات، بل في غياب الأدوات المعرفية لدى المجتمع للتمييز بين القطعي والظني، وبين المقاصد وظاهر النص، وبين النص وتأويله، وبدل أن ينظر إلى الفقه بوصفه مجالاً للتعدد والاجتهاد، يختزل في صوت واحد مرتفع، غالباً ما يكون الأكثر حدة لا الأكثر عمقاً.

هذا الخلط يغذي سردية سلبية عن العلاقة بين الدين والمجتمع، فحين يختزل الدين في فتاوى المنع والتكفير الرمزي، يبدو وكأنه في صدام دائم مع الفنون، والرموز الوطنية، والحياة الحديثة، وفي المقابل يقدم هذا الصدام بوصفه «الدين الصحيح»، ويتهم أي خطاب عقلاني بالتفريط أو التمييع، هكذا يخسر الدين عمقه الأخلاقي، ويخسر المجتمع قدرته على النقاش الهادئ.

ولا يمكن تجاهل أن هذا النمط يخدم سلطة القمع في الإسلام الحركي، فالقول القاطع أسهل في التوظيف والتجنيد، من الاجتهاد المفتوح، والفتوى الجازمة أداة ضبط اجتماعي أنجع من الحوار، كما تجد بعض التيارات في هذا الخلط وسيلة للهيمنة الرمزية، إذ يتحول الرأي الفقهي إلى معيار ولاء لا إلى اجتهاد معرفي.

غياب النقد الموضوعي لهذه العلاقة لا يحمي الدين، بل يضعفه، فالدين الذي لا يفرق فيه بين المطلق والنسبي، وبين النص والتاريخ، يتحول من مورد معنى وقيم إلى أداة صراع وانقسام. النقد هنا لا يعني نزع القداسة، بل تحرير النقاش، وإعادة الاعتبار للاجتهاد بوصفه جهداً بشرياً مسؤولاً.

إن إعادة بناء العلاقة بين الدين والمجتمع في السياق العربي تبدأ من استعادة هذا التمييز الجوهري: ليس كل من تكلم في الدين يقطع، وليس كل رأي ديني حكماً نهائياً. حين يعاد الاعتبار للتعدد والسياق، يمكن للدين أن يستعيد دوره قوة أخلاقية جامعة، لا سلسلة أوامر مغلقة، توظفها التيارات السياسية لأغراضها.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين تهيأ العقول لخطاب التطرف حين تهيأ العقول لخطاب التطرف



GMT 05:09 2026 السبت ,16 أيار / مايو

في مفترق الطرق ؟!

GMT 05:08 2026 السبت ,16 أيار / مايو

يروغ خلاصاً

GMT 05:07 2026 السبت ,16 أيار / مايو

مالي... لسان اللهب الأفريقي

GMT 05:05 2026 السبت ,16 أيار / مايو

أسد التاريخ

GMT 05:05 2026 السبت ,16 أيار / مايو

مثلث برمودا في هرمز

GMT 14:53 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

كما في الرسم

GMT 14:51 2026 الجمعة ,15 أيار / مايو

أغنى رجل بمصر... وتجارة تزوير الوثائق

حلا الترك تخطف الأنظار بإطلالاتها الشبابية الراقية

المنامة ـ المغرب اليوم

GMT 16:20 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

آبل تصنف iPhone 11 Pro ضمن قائمة المنتجات القديمة

GMT 16:47 2022 الجمعة ,14 كانون الثاني / يناير

حزب التجمع الوطني للأحرار" يعقد 15 مؤتمرا إقليميا بـ7 جهات

GMT 12:38 2020 الجمعة ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

تركز الأضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 03:15 2024 الإثنين ,16 كانون الأول / ديسمبر

نحو 25 منصة بثّت منافسات قفز السعودية بـ3 لغات عالمية

GMT 15:28 2020 الجمعة ,10 إبريل / نيسان

تملك أفكاراً قوية وقدرة جيدة على الإقناع

GMT 06:11 2017 الأربعاء ,12 تموز / يوليو

استقبال بريطانيا ملك إسبانيا في زيارة دولية

GMT 02:09 2017 الأربعاء ,18 كانون الثاني / يناير

هروب إنسان الغاب في مبنى Monsoon من حديقة تشيستر

GMT 20:41 2019 الجمعة ,06 أيلول / سبتمبر

تشعر بالغضب لحصول التباس أو انفعال شديد

GMT 08:44 2018 السبت ,13 تشرين الأول / أكتوبر

شركة أرامكو السعودية تنفي زيادة أسعار البنزين

GMT 04:38 2018 الإثنين ,15 كانون الثاني / يناير

مستجدات مشروع مغربي-إماراتي لتزويد1000 قرية بالطاقة الشمسية

GMT 02:53 2017 الإثنين ,05 حزيران / يونيو

صابرين تؤكد صدمة عائلتها من مسلسل "الجماعة 2"

GMT 11:08 2016 الجمعة ,11 آذار/ مارس

تعلمي العناية بنفسك خلال فترة النفاس

GMT 01:30 2025 الجمعة ,15 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الجمعة 15 أغسطس/آب 2025
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib