تشابه المقدمات يقود إلى النتائج نفسها إيران والاتحاد السوفياتي

تشابه المقدمات يقود إلى النتائج نفسها: إيران والاتحاد السوفياتي

المغرب اليوم -

تشابه المقدمات يقود إلى النتائج نفسها إيران والاتحاد السوفياتي

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

ليست المعضلة الكبرى في التجارب الإيديولوجية الشمولية أنها أخطأت في بعض التفاصيل الإجرائية أو الخيارات الاقتصادية، بل إنها أغلقت باب المراجعة والتصحيح منذ اللحظة الأولى، وتعاملت مع أفكارها بوصفها حقائق نهائية لا تقبل الاختبار ولا المساءلة.

فالتجربة الماركسية في الحكم، كما عرفها القرن العشرون، لم تكن عاجزة عن بناء دولة حديثة بسبب نقص الموارد أو قلّة الكفايات، بل لأن تحويل النظرية إلى عقيدة حكم ألغى منذ البداية إمكان التصويب والتعلّم من الخطأ. حتى عندما تحوّرت مفاهيم كارل ماركس على يد لينين، ثم جرى تثبيتها بقسوة في عهد ستالين، لم يكن ذلك تطوراً طبيعياً في الفكر، بل بدا انتقالاً من نصّ مفتوح إلى يقين مغلق، ومن جدل فكريّ إلى سلطة لا تسمع إلا صوتها.

ماركس نفسه لم يضع دستوراً ولا نموذج دولة، بل قدّم تحليلاً تاريخياً للصراع الطبقي، وافترض نظرياً أن الدولة ستذوب في نهاية المطاف. لكن ما حدث في التجربة السوفياتية كان نقيض هذا الافتراض تماماً. الدولة لم تذُب، بل تضخّمت، والحزب لم يعد أداة تنظيم بل أصبح مرادفاً للوطن، والرأي لم يعد مجالاً للنقاش بل صار تهديداً أمنياً، مع أن لينين حاول تبرير ما سمّاه ديكتاتورية البروليتاريا بوصفها مرحلة انتقالية، إذ تحوّلت هذه المرحلة سريعاً إلى بنية دائمة لا تقبل التغيير، ولا تسمح بالمراجعة أو النقد الداخلي.

والواقع أن الأخطر من فشل السياسات الاقتصادية أو الإدارية في التجربة الماركسية لم يكن في النتائج وحدها، بل في استحالة تصحيح المسار. لم توجد مؤسّسات مستقلّة تراجع الأداء، ولا إعلام حرّ يحاسب السلطة، ولا حوار داخليّ حقيقي، حتى بين أبناء الفريق الواحد. أيّ اختلاف كان يُقرأ بوصفه انحرافاً إيديولوجياً، وأيّ نقد يُصنّف خيانة. هكذا تحوّلت الدولة إلى منظور واحد، وقول واحد، وقائد واحد، مهما تغيّرت الأسماء أو تبدلت الشعارات المعلنة.

هذا النمط يتكرّر، وإن بلغة مختلفة، في التجربة الإيرانية المعاصرة. فالنظام الإيراني قام منذ عام 1979 على نظرية حكم دينية سياسية أعادت إنتاج المنطق نفسه بلباس آخر. فبدل مفهوم الطبقة العاملة، ظهر مفهوم المستضعفين، وعوض الإمبريالية استُخدم مصطلح الاستكبار، ومحل الحزب الطليعي برزت مرجعية دينية عليا تحتكر تفسير النص والواقع معاً.

الاختلاف هنا لغوي ورمزي. لكن البنية الذهنية واحدة، وكذلك طريقة إدارة السلطة والمجتمع. في التجربة الإيرانية، كما في السوفياتية، لا مساحة حقيقية للمراجعة أو النقد الجوهري؛ فولاية الفقيه ليست مجرد موقع دستوري، بل حقيقة فوق النقاش. والمؤسسات، مهما تعدّدت أشكالها، تدور في فلك واحد، ولا تمتلك استقلالية أو آلية للتصويب. حتى التيارات المنتمية إلى النظام نفسه، حين تحاول النقد، تُعاد إلى حدود ضيقة لا تمسّ الجوهر. الحوار مسموح به ما دام شكلياً، والنقاش مقبول ما دام لا يقترب من مركز القرار.

في الماركسية الحاكمة كانت الشعارات مادية صلبة، تتحدث عن العدالة الاجتماعية والاقتصاد المنتج. وفي التجربة الإيرانية، كانت الشعارات عاطفية كهنوتية تستدعي المظلومية التاريخية والاصطفاء الديني. وفي الحالتين استُخدمت الشعارات بوصفها أدوات تعبئة، لا برامج قابلة للتقييم. وحين تفشل السياسات، لا يكون الفشل مدخلاً للمراجعة، بل ذريعة لمزيد من التشدّد والانغلاق.

الدولة الحديثة، كما وصلت إليها البشرية بعد تجارب طويلة، لا تقوم على العصمة، بل على الخطأ القابل للتصحيح. جوهر الدولة المعاصرة هو وجود آليات مراجعة دائمة، مثل برلمان فعلي، وقضاء مستقلّ، وإعلام حر، ومجتمع قادر على مساءلة السلطة. هذه العناصر غابت أو فُرغت من مضمونها في التجربتين، فتحول الخطأ الموقت إلى أزمة بنيوية، وتحولت السلطة من إدارة الشأن العام إلى إدارة الخوف. من هنا يمكن فهم الانتفاضات المتكررة في إيران خلال السنوات الأخيرة. فهي ليست احتجاجاً على قرار اقتصادي أو قانون بعينه، بل على نموذج حكم كامل. فشل اقتصادي يتجلى في التضخم وتآكل الطبقة الوسطى، وفشل إداري يتمثل في فساد، وفشل سياسي يقوم على الإكراه. هو المسار نفسه الذي سلكته الأنظمة الماركسية قبل انهيارها حين راهنت على القبضة الأمنية بدل الإصلاح.

التشابه الأعمق بين التجربتين لا يكمن في الشعارات، بل في منطق الحكم نفسه. ففي الحالتين هناك إيمان بأن المجتمع يجب أن يُعاد تشكيله وفق حقيقة مسبقة، سواء أكانت تاريخية مادية أم دينية غيبية. المواطن في هذا الإطار ليس شريكاً، بل هو موضوع للهندسة السياسية. ومع الزمن تتحول الدولة من إطار جامع إلى عبء ثقيل، ومن مصدر حماية إلى خصم دائم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تشابه المقدمات يقود إلى النتائج نفسها إيران والاتحاد السوفياتي تشابه المقدمات يقود إلى النتائج نفسها إيران والاتحاد السوفياتي



GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

الثقافة والإعلان

GMT 10:52 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

بدران وعبيدات.. القيادة السرية للإخوان المسلمين!

GMT 10:51 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

عبث الدروع التكريمية والشهادات التقديرية !

GMT 08:37 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

لا حرب ولا سلام

GMT 08:33 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

صنايعية مصر

GMT 08:29 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ورق المومياوات!

GMT 08:26 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

عاصفة إبستين!

GMT 08:22 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

ما تمنَّاه حسن مصطفى

بين القفطان والعباءة إطلالات رمضانية أنيقة مستوحاة من أحلام

دبي - المغرب اليوم

GMT 10:44 2026 الثلاثاء ,03 شباط / فبراير

يسرا توضح سبب غيابها عن دراما رمضان
المغرب اليوم - يسرا توضح سبب غيابها عن دراما رمضان

GMT 17:53 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

شاومي تستعد لهاتف فائق النحافة لمنافسة iPhone Air وGalaxy Edge

GMT 17:07 2026 الثلاثاء ,20 كانون الثاني / يناير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 14:26 2026 الجمعة ,23 كانون الثاني / يناير

إصابة الفنان محمد صبحي بأزمة قلبية ونقله للمستشفى

GMT 16:31 2020 الإثنين ,01 حزيران / يونيو

كن قوي العزيمة ولا تضعف أمام المغريات

GMT 14:09 2019 الثلاثاء ,02 إبريل / نيسان

تبدأ بالاستمتاع بشؤون صغيرة لم تلحظها في السابق

GMT 08:23 2020 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 30 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 23:34 2017 السبت ,25 تشرين الثاني / نوفمبر

تدريبات انفرادية لنيكيز داهو في الوداد بسبب الإصابة

GMT 00:38 2017 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

تقديم جيل جديد من أجهزة ألعاب "أتاري" الكلاسيكية

GMT 09:09 2023 الثلاثاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

ترتيب أفضل 30 لاعبا في العالم بجائزة الكرة الذهبية 2023

GMT 11:17 2016 الأحد ,16 تشرين الأول / أكتوبر

2421 طن خضار وفواكه ترد للسوق المركزي في الأردن

GMT 02:32 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

إطلالة جديدة للفنانة دنيا عبدالعزيز في حفل عيد ميلادها

GMT 08:04 2018 الأحد ,09 كانون الأول / ديسمبر

"الجزيرة الرملية الشبح" تُثير حيرة العلماء لمدة 224 عامًا
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib