حين يُصادَر العقل من تعليم معلّب إلى وعي مغيَّب
شهيد وإصابات جديدة فى غزة وتحذيرات من كارثة إنسانية تشمل الأطفال نقل راشد الغنوشي إلى المستشفى بعد تدهور حالته الصحية داخل السجن ومطالبات بالإفراج عنه سقوط 9 شهداء و17 جريحًا في حصيلة أولية للعدوان الإسرائيلي على بلدات جبشيت وتول وحاروف جنوب لبنان وزارة الصحة في غزة تعلن حصيلة جديدة للشهداء والإصابات خلال 24 ساعة وتحديثات إجمالية منذ بدء الحرب الرئيس اللبناني جوزيف عون يدين الانتهاكات الإسرائيلية في الجنوب ويطالب بوقف استهداف المدنيين والمسعفين وضمان حقوق الأسرى إصابة 12 جنديًا إسرائيليًا جراء انفجار طائرة مسيّرة مفخخة لحزب الله بقوة عسكرية بالجليل الغربي اليابان تختبر روبوتات شبيهة بالبشر في مطار هانيدا لمواجهة نقص العمالة وزيادة أعداد المسافرين الخطوط الجوية الأميركية تفرض قيودًا جديدة على الشواحن المحمولة على متن الرحلات ملف مشاركة إيران في كأس العالم 2026 على طاولة فيفا خلال اجتماع الجمعية العمومية أندية سعودية تسعى لضم رافينيا في ميركاتو الصيف رغم تمسك برشلونة ببقائه
أخر الأخبار

حين يُصادَر العقل: من تعليم معلّب إلى وعي مغيَّب

المغرب اليوم -

حين يُصادَر العقل من تعليم معلّب إلى وعي مغيَّب

محمد الرميحي
بقلم : محمد الرميحي

حين ننظر إلى الجدل العربي الدائر حول حرب الأربعين يوماً، نفهم كيف يعمل هذا النمط من التفكير. هناك من يرى العالم في ثنائيةٍ مبسطة: مع أو ضد، صديق أو عدو. لا مكان لأولويات ولا مساحة لخفايا الأهداف. هذه الذهنية ليست سياسية وحسب، بل تعليمية في جذورها.

ليس الضجيج الذي يملأ الفضاء العربي اليوم بشأن تشتت الرأي العام حيال أحداث حرب الأربعين يوماً ظاهرة طارئة؛ اختلفت الرؤى وتشتتت النخب، وهذا عرضٌ لمرضٍ أعمق.


نرى من يبرر اعتداء إيران على دول الخليج، ونرى في المقابل من يختزل المشهد كله بوجود إسرائيل، وكأن الصراع لا يُقرأ إلا من زاوية واحدة. بين هذين الموقفين تضيع القدرة على التمييز، ويختلط السياسي بالعاطفي. هذا العجز عن الفصل بين الملفات ليس مصادفة، بل نتيجة تراكم طويل في بنية التفكير، يمكن تتبعه إلى واحدة من أهم المؤسسات التي تشكل الوعي: التعليم العربي.

في هذا السياق، يسعفنا كتاب محمد توفيق المعنون: "ضد المنطق: قصة التعليم المصري من محمد علي باشا إلى إمبراطور الفيزياء". هذا الكتاب الاستقصائي يسهّل فهم جذور الخلل.


الكتاب لا يتحدث عن مصر وحدها، بل عن نموذج امتدّ أثره إلى معظم العالم العربي، حيث استلهمت دول عديدة بنية تعليمها من التجربة المصرية، في مراحل التأسيس. يروي المؤلف كيف تحول التعليم، عبر عقود، من مشروع لبناء العقل، إلى نظام لتكديس المعلومات، ومن فضاء للنقد إلى آلية للامتثال.


ثلاثية سامة

يرى الكاتب ثلاثية سامة صحبت التعليم ويقدمها بالوثائق. وهذه الثلاثية هي الدروس الخصوصية التي انتشرت بكثافة مع السنين، والكتب الخارجية ذات الملخصات التي أصبحت صناعة هائلة، وأخيراً ما سماها "شققاً مفروشة للغش". ويشرح تطور الغش في الامتحانات حتى يروي عن طه حسين أنه كتب: لقد أكبرنا الامتحانات أكثر مما ينبغي، وجعلناها غاية، فلهذا آثار سيئة تصل إلى الأخلاق، وأظهرها الغش...


المشكلة، كما يصفها توفيق، ليست في المناهج وحدها، بل في الفلسفة التي تحكمها. حين يصبح الهدف من التعليم هو اجتياز الامتحان، لا فهم الحياة، فإننا ننتج أجيالاً تحفظ ولا تفكر، تكرر ولا تحلل. ومع الزمن، نشأ نظام موازٍ للتعليم الرسمي يعتمد على: الدروس الخصوصية، الملخصات، ثم "البرشمة" باعتبارها تتويجاً لهذا المسار؛ فلم يعد الطالب مطالباً بأن يفهم، بل أن يصل إلى الإجابة بأقصر طريق، حتى لو كان ذلك على حساب النزاهة العقلية. الوصف الذي يقدمه توفيق مذهل، وتتبع تلك الظواهر الثلاث على مر قرنٍ من الزمان يجعل الصورة أوضح.

هذه البيئة التعليمية لا تنتج خريجين ضعفاء فحسب، بل تصوغ نمطاً من التفكير، يستمر مع الإنسان طوال حياته. تعوّد على تلقي "الإجابة النموذجية"، وملخص الملخصات لا يتحمل تعدد الآراء. ومن اعتاد على أن الحقيقة موجودة في ملخص جاهز، لن يبذل جهداً في البحث والتحليل. وهنا يصبح الانتقال من قاعة الدراسة إلى ممارسة السياسة انتقالاً سلساً: العقل نفسه الذي كان يبحث عن "سؤالٍ متوقع" هو الذي يبحث اليوم عن "سردية جاهزة" يعتنقها من دون تمحيص.


حرب الأربعين يوماً

حين ننظر إلى الجدل العربي الدائر حول حرب الأربعين يوماً، نفهم كيف يعمل هذا النمط من التفكير. هناك من يرى العالم في ثنائية مبسطة: مع أو ضد، صديق أو عدو. لا مكان لأولويات ولا مساحة لخفايا الأهداف. هذه الذهنية ليست سياسية فقط، بل تعليمية في جذورها. هي نتاج عقل تدرب على الاختيار بين "صح" و"خطأ" في ورقة امتحان، لا على التعامل مع طيف واسع من الاحتمالات.


الأخطر من ذلك أن هذا النمط من التفكير يفتح الباب أمام التضليل؛ حين يغيب النقد، يصبح الجمهور أكثر قابلية لتصديق أي رواية، مهما كانت خارجة عن المعقول.


رأينا في السنوات الماضية كيف انتشرت سرديات لا تستند إلى دليل، وكيف وجدَت من يروج لها ويؤمن بها في وسائل التواصل الاجتماعي. في كل مرة، يكون القاسم المشترك هو غياب القدرة على السؤال والمراجعة: من قال؟ ولماذا؟ وما الدليل؟ والأخير هو الأهم.


لا يعني ذلك أن التعليم وحده مسؤول عن كل شيء، فهناك عوامل إعلامية وسياسية وثقافية. لكن التعليم يبقى القاعدة التي تُبنى عليها بقية العناصر. إذا كانت هذه القاعدة هشة، فإن كل ما يُبنى فوقها سيكون قابلاً للسقوط. ومن هنا، فإن إصلاح الوعي لا يمكن أن يتم عبر حملاتٍ إعلامية عابرة، بل عبر إعادة النظر في الطريقة التي نُعلّم بها أبناءنا.


السير ضد المنطق

إعادة الاعتبار الى العقل تبدأ من إعادة تعريف النجاح في التعليم. ليس النجاح هو الحصول على أعلى الدرجات، بل القدرة على التفكير المستقل والتساؤل الخلاق. وليس التفوق هو حفظ أكبر قدر من المعلومات، بل فهمها ونقدها. هذا التحول يحتاج إلى رؤية، وإلى إرادة سياسية وثقافية، لكنه الطريق الوحيد للخروج من دائرة التبسيط المخل وإنقاذ الجمهور من التهلكة.

ما نراه اليوم من تشتت في الرأي العام ليس سوى مرآة لعقود من التعليم المُعلّب. وإذا أردنا رأياً عاماً مستنيراً، وقدرةً على التمييز، فلا بد من أن نبدأ من هناك، من المدرسة والجامعة، حيث يتشكل العقل قبل أن يدخل معترك السياسة. لقد اختار توفيق عنوانه "ضد المنطق" حتى يقول لنا بالشواهد: معظمنا يسير ضد المنطق!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حين يُصادَر العقل من تعليم معلّب إلى وعي مغيَّب حين يُصادَر العقل من تعليم معلّب إلى وعي مغيَّب



GMT 14:09 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

نعمة اسمُها إشكال

GMT 14:05 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

الرَّابطة الخامنئية الخفيَّة

GMT 14:02 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

الخلافة في الشركة الأكبر!

GMT 13:56 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

مرة أخرى: كيف تغير كل شيء؟!

GMT 13:52 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

هل من مستقبل لحلف الناتو؟

GMT 19:25 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

لوثة الاغتيال

GMT 19:23 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

الرَّصاصة والرَّئيس ومعركة الصُّورة

GMT 19:21 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

الأزهري الزملكاوي

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس - المغرب اليوم

GMT 10:11 2026 السبت ,07 شباط / فبراير

مشروبات طبيعية لنوم هانئ في الشتاء

GMT 12:20 2015 الأربعاء ,09 كانون الأول / ديسمبر

علماء يكشفون كيفية تدفئة البطاريق نفسها

GMT 12:40 2020 السبت ,26 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 26-9-2020

GMT 20:49 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

النشاط والثقة يسيطران عليك خلال هذا الشهر

GMT 02:25 2017 الثلاثاء ,31 كانون الثاني / يناير

الناقد الرياضي محمد مغودي يهاجم فوزي لقجع

GMT 12:48 2020 الثلاثاء ,21 تموز / يوليو

فوائد تناول لحم الأرانب على صحة الجسم

GMT 13:20 2020 الجمعة ,22 أيار / مايو

طرق تنسيق حدائق فيلات
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib