بين التنجيم والعقل لماذا نُصرّ على تصديق ما لا يُفسَّر

بين التنجيم والعقل: لماذا نُصرّ على تصديق ما لا يُفسَّر؟

المغرب اليوم -

بين التنجيم والعقل لماذا نُصرّ على تصديق ما لا يُفسَّر

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

في نهاية كل عام يتكرر المشهد ذاته تقريباً، إذ يظهر عشرات الرجال والنساء على الشاشات ليقدموا ما يسمونه قراءة للمستقبل، ويعرضوا على جمهور واسع سلسلة من التوقعات التي تمتد من السياسة إلى الاقتصاد، ومن الكوارث إلى مصائر الدول والأفراد. بعض هذه التوقعات يصيب مصادفة، وأكثرها يخطئ، غير أن المدهش ليس صحة ما يقال أو خطأه، بل حجم التصديق والاهتمام، وكأن المجتمعات تبحث عن يقين سهل يعوض عجزها عن فهم واقع معقد ومتشابك.
ليلى عبداللطيف، بوصفها مثالاً لا شخصاً، تمثل هذا النمط من الخطاب الشائع. فقد قالت في نهاية العام الماضي إن ليبيا ستُحكم من شخصية بعينها، (سيف الإسلام القذافي) ثم جاءت الوقائع لتسير في اتجاه مختلف تماماً، فقد قتل الرجل الأسبوع الماضي، ومع ذلك لم يؤدِ الخطأ الواضح إلى تراجع الإيمان بالمنظومة نفسها، ولم تُطرح الأسئلة الجوهرية حول منهج التوقّع وجدواه وحدوده ومعاييره.
المفارقة أن هذا السلوك يتناقض جذرياً مع منطق العلم. فالعلم يقوم على فرضيات قابلة للاختبار، وعلى بيانات، وعلى قابلية الخطأ والتصحيح. أما التنجيم فيعتمد على إطلاق احتمالات عامة وفضفاضة، ثم اختيار ما يصيب لاحقاً وتضخيمه، مع تجاهل عشرات التوقعات التي لم تتحقق. إنه منطق انتقائي لا معرفي، لكنه يجد قبولاً واسعاً في بيئات يسودها القلق وعدم اليقين.
في العالم العربي، تتضاعف هذه القابلية بسبب عوامل متراكمة، من بينها ضعف التخطيط طويل الأمد، وهشاشة المؤسسات، وغياب الشفافية، وشعور الفرد بأنه خارج معادلة التأثير في القرار العام. حين يغيب الإحساس بالقدرة على الفعل، يتحول المستقبل من مجال للتخطيط العقلاني إلى مادة للتكهن، ومن مشروع إنساني قابل للبناء إلى لغز غيبي مغلق.
ولا يمكن إغفال أثر الأزمات المتلاحقة التي عاشتها المنطقة، من حروب وصراعات وانسدادات سياسية، إذ دفعت كثيرين إلى البحث عن تفسير سريع للأحداث، حتى لو كان هذا التفسير وهمياً. فالتنجيم هنا يصبح ملاذاً نفسياً مؤقتاً أكثر منه أداة معرفة راسخة، ويمنح شعوراً زائفاً بالسيطرة على المجهول.
تلعب وسائل الإعلام دوراً مهماً في ترسيخ هذه الظاهرة. فحين تُقدَّم التوقعات في قوالب جذابة، وتُسوَّق أنها قراءة عميقة أو تحليل استثنائي، يختلط الترفيه بالمعرفة، ويُمنح الوهم شرعية لا يستحقها. ومع الوقت يصبح المنجّم أكثر حضوراً من الباحث، وأكثر تأثيراً من الخبير، لأنه يعد باليقين بينما يعترف الآخر بالتعقيد والتعدد والاحتمال.
كما أن الثقافة التعليمية السائدة لا تساعد كثيراً على مقاومة هذا الميل، إذ نادراً ما يُدرَّب الطالب على الشك المنهجي، أو على مساءلة المعلومة، أو على التمييز بين الرأي والمعرفة. ومع غياب هذا التدريب يصبح العقل مستعداً لتلقي أي سردية مريحة، حتى لو كانت بلا أساس علمي أو منطقي واضح.
الخروج من دائرة التكهنات لا يكون بمحاربة الأشخاص، بل بتغيير الثقافة العامة. نحن بحاجة إلى إعادة الاعتبار للعقل النقدي، وتعليم الفرق بين التحليل القائم على معطيات، والتخمين القائم على الحدس، وإعادة الثقة بفكرة أن المستقبل يُبنى ولا يُتنبأ به.
هذه المهمة ليست سهلة ولا سريعة، لكنها ممكنة إذا توفرت الإرادة السياسية، والتعليم الجيد، والإعلام المسؤول، والنقاش العام المفتوح، والمساءلة المجتمعية المستمرة، والوعي الفردي المتنامي الحقيقي الضروري اليوم والآن معاً تماماً.
المستقبل لا يُقرأ في الأبراج ولا في الشاشات، بل يُصنع بالسياسة الرشيدة، والاقتصاد المنتج، والعلم، والعمل. وكلما أسرعنا في إدراك هذه الحقيقة، اقتربنا خطوة إضافية من الخروج من أسر الوهم إلى أفق الفعل الواعي والمسؤول الجماعي دائماً.

 

 

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين التنجيم والعقل لماذا نُصرّ على تصديق ما لا يُفسَّر بين التنجيم والعقل لماذا نُصرّ على تصديق ما لا يُفسَّر



GMT 06:51 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الأمس كان

GMT 06:50 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

«لا» إسرائيلية لافتة بوجه ترمب

GMT 06:49 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

أولويَّات الحكومة!

GMT 06:48 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

الطاهر الحداد... بين الثورة والمحنة

GMT 06:47 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

تحت الشمس لمدة خمس عشرة دقيقة!

GMT 06:47 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

ماسك ــ ساغان... وإنقاذ الجنس البشري

GMT 06:46 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

جبتك يا عبد المعين

GMT 06:44 2026 السبت ,14 شباط / فبراير

95 ثانية!!

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت -المغرب اليوم

GMT 13:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 08:41 2018 الإثنين ,08 كانون الثاني / يناير

السلطات الباكستانية تفرج عن 147 سجيناً هندياً

GMT 20:01 2020 الثلاثاء ,14 كانون الثاني / يناير

سبب غضب رئيس الجامعة المغربية لكرة القدم مِن لجنة البرمجة

GMT 05:07 2018 الأحد ,29 تموز / يوليو

ماسك الكيوي وزيت الزيتون لعلاج تساقط الشعر

GMT 08:31 2025 الإثنين ,24 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الذهب في المغرب اليوم الإثنين 24 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025

GMT 20:15 2023 الجمعة ,10 آذار/ مارس

أسعار النفط تواصل الانخفاض

GMT 20:49 2019 الجمعة ,03 أيار / مايو

النشاط والثقة يسيطران عليك خلال هذا الشهر

GMT 02:46 2018 الأربعاء ,14 تشرين الثاني / نوفمبر

تناول فنجان من القهوة يوميًا يطيل العمر 9 دقائق

GMT 12:03 2019 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

"الملك لير" يعود إلى جمهوره بـ"غاليري في حب الفخراني"

GMT 20:09 2018 الأربعاء ,26 أيلول / سبتمبر

استقرار أسعار الفضة عند 14.45 دولار للأوقية الأربعاء

GMT 06:44 2018 الأحد ,09 أيلول / سبتمبر

باريس هيلتون أنيقة خلال حضورها "أسبوع نيويورك"

GMT 06:55 2015 الأربعاء ,17 حزيران / يونيو

قناة الناس تعرض مسلسل الإمام الغزالي في رمضان

GMT 10:00 2023 الثلاثاء ,10 تشرين الأول / أكتوبر

عمرو محمود ياسين يُشيد بدور إلهام شاهين في مسلسل "آلفريدو"

GMT 01:03 2019 الخميس ,17 كانون الثاني / يناير

أمينة خليل تُؤكّد أنّ شخصيتها بفيلم "122" قريبة إلى قلبها

GMT 23:12 2018 الثلاثاء ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة إلى إكسمور بسيارة "ميني كوبر كونتري مان"

GMT 05:57 2018 السبت ,22 أيلول / سبتمبر

العلمي يكشف أهداف "نوفاريس" الفرنسية في المغرب
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib