الحرب الخفية على الخليج عقول تُستهدف قبل الحدود

الحرب الخفية على الخليج.. عقول تُستهدف قبل الحدود

المغرب اليوم -

الحرب الخفية على الخليج عقول تُستهدف قبل الحدود

محمد الرميحي
بقلم : محمد الرميحي

الحرب في الخليج لم تعد فقط ما يُرى بالعين من صواريخ ومسيّرات، صبت وابلاً من الحمم على مدن الخليج، ولا ما يُسمع من دوي الانفجارات.. هناك حرب أخرى أكثر هدوءاً، لكنها أشد أثراً لأنها تستهدف العقول قبل الأوطان.. حرب تُشن باللغة العربية، ومن داخل الفضاء الثقافي ذاته، وتديرها مجموعات يمكن وصفها ب«الإخوة الأعداء»، تستثمر كل حدث لتعيد صياغته بقناع زائف من الكذب، حتى يبدو وكأنه حقيقة مستقرة، نكاية وتشفياً.
خطورة هذه الحرب أنها لا تأتي من خارج السياق، بل من داخله.. تُستخدم اللغة ذاتها، والمفردات ذاتها، وأحياناً المرجعيات الثقافية المشتركة.. هذا ما يجعلها أكثر قابلية للانتشار، حين يتلقى المتلقي رسالة بلغته، ومنسجمة ظاهرياً مع قناعاته تقل مقاومته لها. هنا تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى مسارح مفتوحة، يُعاد فيها إنتاج الرواية، لا كما حدثت، بل كما يراد لها أن تُفهم، بل إن بعضهم يستدعي ما قال بعض أهل الخليج في أوقات سابقة ليدلل على سرديته، في الوقت الذي يعرف الجميع أن ليس كل ما قيل صحيحاً لا يقبل الجدل، ولكنه التوظيف من أجل دق إسفين الفرقة.
الإشكالية الأكبر ليست في صانع الرسالة، بل في ناقلها.. فبعض المستخدمين، بدافع الجهل أو ضعف المناعة المعرفية، يتحولون إلى وسائط مجانية لنشر هذه السرديات.. تتنقل القصة من منصة إلى أخرى، تُختصر، ثم تُضاف إليها تفاصيل، حتى تتشوه الحقيقة بالكامل.. ومع الوقت، تتشكل «حقائق بديلة» تجد لها جمهوراً يدافع عنها رغم هشاشتها.
في هذا السياق، يقدم كتاب «المتلاعبون بالعقول» الصادر عن سلسلة عالم المعرفة في وسط ثمانينيات القرن الماضي إطاراً تحليلياً مهماً لهذا النوع من المواقف.. يوضح الكتاب كيف أن التأثير في الرأي العام لا يعتمد فقط على الكذب المباشر، بل على إعادة ترتيب الحقائق، وتقديم أجزاء منها، وإخفاء أجزاء أخرى. كما يشير إلى أن التكرار هو الأداة الأكثر فاعلية، فالفكرة مهما كانت ضعيفة تكتسب مصداقية زائفة إذا ما تكررت بما يكفي.. وهذا ما نراه يومياً في الفضاء الرقمي العربي.
الذكاء الاصطناعي أضاف بعداً جديداً لهذه الحرب.. لم يعد الأمر مقتصراً على نصوص مضللة، بل دخلنا مرحلة «الأدلة المصطنعة».. صور مفبركة تجمع شخصية معروفة مع نقيضها، مقاطع فيديو مركبة، أصوات مقلدة، كلها تُستخدم لإضفاء مصداقية على روايات زائفة. حين يرى المتلقي «دليلاً بصرياً»، تتراجع قدرته على الشك، ويصبح أكثر قابلية للتصديق.. وهنا تكمن الخطورة، لأن الكذب لم يعد مجرد ادعاء، بل أصبح «مدعماً» بأدوات تقنية متقدمة.
بالنسبة لدول الخليج، هذه الحرب ليست ترفاً فكرياً يمكن تجاهله.. تأثيرها يتجاوز الرأي العام إلى إحداث الخلل في تماسك المجتمع ذاته.. حين تتآكل الثقة، وتنتشر الشكوك، يصبح من السهل إحداث تصدعات داخلية.. وهذا ما تسعى إليه تلك الحملات: ليس فقط تشويه الصورة، بل إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل.
رغم ذلك، تبدو المواجهة دون المستوى المطلوب.. لا يزال التعامل مع هذه الحرب يتم بردود أفعال متفرقة، لا ضمن استراتيجية متكاملة، على صعيد المؤسسات.. هناك حاجة إلى بناء «مناعة معرفية» تبدأ من التعليم، وتعزز التفكير النقدي، وتعلم الأفراد كيف يميزون بين الخبر والمعلومة، وبين الرأي والدعاية، بل الاستجابة الفورية لتكذيب الادعاء، وبين حكمة تجاهله، حيث ينمو ويستقر، كما أن الإعلام التقليدي مطالب باستعادة دوره، ليس فقط في نقل الخبر، بل في تفسيره وتفكيكه، ومطاردة الأخبار المدسوسة والكاذبة. المعركة هنا ليست بين حقيقة وكذبة فقط، بل بين وعي وغفلة.. ومن ينتصر في هذه المعركة، لا يملك فقط الرواية، بل يملك القدرة على توجيه المستقبل، وحماية المجتمع من الاختراق في وقت عصيب

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحرب الخفية على الخليج عقول تُستهدف قبل الحدود الحرب الخفية على الخليج عقول تُستهدف قبل الحدود



GMT 00:41 2026 السبت ,23 أيار / مايو

سرُّ الصفعة الرئاسية

GMT 00:40 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا من «بيرل هاربر» إلى 11 سبتمبر

GMT 00:39 2026 السبت ,23 أيار / مايو

هل مشكلة إيران في زيادة عدد الشعب؟

GMT 00:38 2026 السبت ,23 أيار / مايو

إدارة الفرصة على الطريقة الصينية

GMT 00:37 2026 السبت ,23 أيار / مايو

مأزق القرار في طهران

GMT 00:36 2026 السبت ,23 أيار / مايو

أميركا بين العلمانية والموجة الدينية

GMT 23:59 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

هدنة أسوأ من الحرب

GMT 23:57 2026 الجمعة ,22 أيار / مايو

جبهة إيران العراقية

يارا السكري تخطف الأنظار بإطلالات راقية في مهرجان كان 2026

باريس - المغرب اليوم

GMT 03:59 2026 الأربعاء ,20 أيار / مايو

"الناتو "يدرس" المساهمة في ضمان حماية مضيق هرمز

GMT 07:13 2026 الثلاثاء ,27 كانون الثاني / يناير

سعر الذهب في المغرب اليوم الثلاثاء 27 يناير/ كانون الثاني 2026

GMT 08:20 2019 السبت ,16 شباط / فبراير

المغرب وصيفًا لبطل شمال إفريقيا لكرة اليد

GMT 01:40 2016 السبت ,24 كانون الأول / ديسمبر

عواصف ثلجية مذهلة تُوضح جنون تغير الطقس

GMT 18:09 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

عبد الغني معاوي خارج حسابات الجيش الملكي

GMT 12:04 2018 الجمعة ,02 تشرين الثاني / نوفمبر

"دي بروين" يغيب عن ديربي مانشستر للإصابة

GMT 10:46 2018 الثلاثاء ,22 أيار / مايو

طريقة تحضير الزبادي في المنزل

GMT 23:12 2017 الثلاثاء ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

سعيد البوزيدي يعلن استقالته من المنتخب المغربي لكرة السلة

GMT 03:42 2017 السبت ,08 إبريل / نيسان

معرض سيلفرستون يكشف عن تكريم أقدم 50 سيارة

GMT 09:59 2016 الأربعاء ,07 كانون الأول / ديسمبر

تنظيم معرض وطني مهني لسلالة أغنام السردي في سطات
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib