المبدعون والمدّعون «رقمياً»

المبدعون والمدّعون «رقمياً»

المغرب اليوم -

المبدعون والمدّعون «رقمياً»

محمد الرميحي
بقلم - محمد الرميحي

ضاء الرقمي قلّة، وهم أولئك الذين يدخلون هذا العالم وهم يحملون رسالة واضحة، ورأياً مبنياً على معرفة مستنيرة، أو تجربة عميقة، أو قراءة معمّقة للواقع. لا يبحث هؤلاء بالضرورة عن الانتشار السريع، بل عن المعنى الأعمق، وعن إضافة قيمة حقيقية للنقاش العام. خطابهم غالباً هادئ، متماسك، ويعتمد على الحجة لا على الضجيج. غير أن مشكلتهم الأساسية تكمن في أن المحتوى الرصين يحتاج إلى وقت وصبر من المتلقي، وهما عنصران نادران في بيئة رقمية تقوم على السرعة والاستهلاك اللحظي.

في المقابل، يقف المدّعون، وهم الفئة الأكثر انتشاراً وتأثيراً. هؤلاء لا يملكون بالضرورة معرفة حقيقية بما يقولون، لكنهم يمتلكون المهارة في إثارة الانتباه. يتوجه خطابهم إلى العاطفة لا إلى العقل، ويعتمد على المبالغة، أو التبسيط المخل، أو حتى ترويج معلومات غير دقيقة، بعضها مدفوع الأجر مسبقاً، أو بتأثير اللحظة. المدّعي لا يناقش ولا يقبل أن يُناقش، بل يعلن، ولا يفسر، يحرّض بلا منطق، مستفيداً من خوارزميات المنصات التي تكافئ المحتوى المثير، لا المحتوى العميق.

وتزداد خطورة المدّعين حين يقترن حضورهم بالتربّح الاقتصادي أو الاستغلال السياسي. فبعضهم يحوّل الإثارة إلى مصدر دخل، عبر الإعلانات، أو الترويج لمنتج فاسد، أو ما يُعرف باقتصاد الانتباه، حيث يصبح عدد المتابعين أهم من صدقية المحتوى. آخرون يوظفون هذا الفضاء لخدمة أجندات سياسية، فيعيدون إنتاج خطاب شعبوي، أو تحريضي، يختزل القضايا المعقدة في شعارات سهلة، ويُسهم في تزييف الوعي العام بدلاً من تنويره.

هذا الانقسام بين المبدعين والمدّعين لا يحدث في فراغ؛ فهو نتاج بيئة تعليمية لا تُدرّب على التفكير النقدي، وإعلام تقليدي فقد جزءاً من مصداقيته، وفضاء عام محدود لا يسمح بنقاش حر ومتعدد الأصوات. في مثل هذه الظروف، يصبح المدّعي أكثر جاذبية من المبدع، لأنه يقدم إجابات سريعة، حتى لو كانت خاطئة.

غير أن هذا الواقع ليس قدراً محتوماً. فالمبدعون، رغم محدودية انتشارهم، يمتلكون ما يفتقر إليه المدّعون؛ الاستمرارية والعمق. ومع تراكم الأزمات، يبدأ الجمهور، ولو ببطء، بالبحث عن تفسير لا عن توتير، وعن فهم لا عن ضجيج. هنا تظهر قيمة المحتوى الجاد، ولو بعد حين.

في المحصلة، لا تكمن المشكلة في وسائل التواصل ذاتها، بل في كيفية استخدامها، وفي البيئة التي تحتضنها. الفضاء الرقمي يمكن أن يكون أداة وعي أو أداة تضليل، والفرق تحدده نوعية الأصوات التي تختار أنت أن نصغي إليها. وبين المبدعين والمدّعين، يبقى الرهان الحقيقي على بناء عقل نقدي قادر على التمييز بين (المهذار) وبين (الرصين)، أما النصيحة فلا تستعجل في التصديق، توخَّ الحذر، وتجاوز على الأقل نصف ما يصلك في تلك الوسائل.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المبدعون والمدّعون «رقمياً» المبدعون والمدّعون «رقمياً»



GMT 12:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 12:33 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

GMT 05:09 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 05:06 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 04:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 04:43 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 04:41 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

متى يمكن إخراج القواعدِ الأميركية؟

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - المغرب اليوم

GMT 12:14 2019 الإثنين ,01 إبريل / نيسان

تشعر بالإرهاق وكل ما تفعله سيكون تحت الأضواء

GMT 20:37 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

كش ملك

GMT 00:27 2025 الثلاثاء ,19 آب / أغسطس

توقعات الأبراج اليوم الثلاثاء 19 أغسطس /آب 2025

GMT 19:33 2017 الأحد ,01 كانون الثاني / يناير

فتاة فرنسية تقرر الزواج من "روبوت" ثلاثي الأبعاد

GMT 17:43 2024 الجمعة ,14 حزيران / يونيو

طريقة تنظيف الاريكة والتخلص من البقع الصعب

GMT 03:17 2020 الجمعة ,17 كانون الثاني / يناير

"كوطا المؤتمر" تديم خلافات قيادات حزب "البام"‎

GMT 14:21 2019 السبت ,21 كانون الأول / ديسمبر

ملابس محجبات لشتاء 2020 من وحي الفاشينيسا مرمر

GMT 23:33 2019 الجمعة ,06 كانون الأول / ديسمبر

"باسم ياخور يستعيد ذكريات مسلسل "خالد بن الوليد

GMT 23:16 2019 السبت ,16 آذار/ مارس

وفاة طفل جراء حادث سير في إنزكان

GMT 08:02 2019 السبت ,26 كانون الثاني / يناير

اكتشاف أقدم صخور كوكب الأرض على سطح القمر

GMT 11:31 2019 الأربعاء ,16 كانون الثاني / يناير

فريق اتحاد طنجة يربح 100 ألف دولار من صفقة فوزير

GMT 10:34 2018 الأربعاء ,03 تشرين الأول / أكتوبر

بريطانية تُقيم دعوى ضد تلميذ زعم ممارسة الجنس معها

GMT 18:07 2018 الثلاثاء ,08 أيار / مايو

‏فضل صلاة النافلة

GMT 11:42 2017 الأربعاء ,17 أيار / مايو

مرسيدس C63 كوبيه معدلة بقوة 603 أحصنة من Chrometec

GMT 02:32 2024 السبت ,07 كانون الأول / ديسمبر

السعودي الدهامي إلى كأس العالم لقفز الحواجز 2025
 
almaghribtoday

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2023 ©

almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday almaghribtoday almaghribtoday
almaghribtoday
RUE MOHAMED SMIHA ETG 6 APPT 602 ANG DE TOURS CASABLANCA MOROCCO
almaghrib, Almaghrib, Almaghrib